النيل وقد أغرق الجزيرة
عربي
منذ 6 أيام
مشاركة
هي فرحة للعين والقلب معاً، وفرحة ثالثة للذاكرة التي صاحبت تلك الجزيرة في خمسين سنة، انكسرت فيها أشياء كثيرة داخلنا إلا هذا المشهد الرائع أمام مبنى المحافظة في المنيا، حيث تحطّ الشمس على جمال المبنى الذي شيّده مهندس من طنطا في سنة 1960، وهو في حدّ ذاته تحفة معمارية باهرة، وكان ذلك المهندس قريباً للكاتب الراحل عبد الحكيم قاسم، كما روى عبد الحكيم. خمسون سنة أجلس أمام ذلك المبنى المواجه لبدايات الشمس حين تزحف أوّل الصباح من خلف ذلك الجبل المرتفع، ويكون أوّل ارتفاعه عند جبل سوادة، ويمتدّ إلى الشمال وقد واجه النيل بليونته والتوائه متخطّياً، وقد انحرف قليلاً إلى الشرق أمام قرية الأخصاص. النيلُ هديةٌ للعين والقلب قبل أن يكون هديةً للمزارع والحدائق ورمال الصحاري وطمي الغيطان العطشانة؛ المدن غواية، والنيل أيضاً غواية، غواية للعاشق والمحروم والغريب وطالب الجامعة، وحتى للمهمشين بلا بيوت أو بلا أهل أو انقطعت أخبارهم عن أهلهم، وأعرفهم جيّداً من ملامحهم، وتلك الجزيرة كانت غوايتي، وتلك النخلات التي كانت بها غواية أيضاً لقلبي الفقير إليها، وما زالت. في بدايات الجامعة، كنت أهرب من المحاضرات إلى هنا، علّني أقرأ من أسرار النيل ما لم أكن أعرفه ساعتها، أقرأ من كتاب عشقي، وأقرأ أيضاً حظّي، وأقرأ تعبي، كيف مشت الرحلة، وما زالت الجزيرة كما هي، النخلات كما هي، وكأنّها لم تكبر، وأخصاص البوص كما هي وكأنّها لم تتغيّر، والمركب الصغير كما هو، وخاصّة حينما تغرق الجزيرة، فينقل المركب الماشية القليلة من الجزيرة إلى هناك مع الحمير وبقية الماعز وبقية تلك الأشياء لحين عودة النيل إلى روقانه، وأنا هناك على الضفة الغربية من النيل. تحايلت، أنا الذي لا أحبّ الدرس، على أن أطيل شغفي بالمدينة والنظر إلى النيل لسنتَين أخريَين بعد الجامعة، نوع من حيل الذات، فحصلت على دبلوم علم النفس، وتمهيدي الماجستير، كي أظلّ قريباً من تلك الجزيرة أمشي، فجاء تجنيدي العسكري بعد مقتل السادات بشهرَين في جبل سوادة، فكنت كلّ أسبوع أصعد جبل سوادة مرَّتَين وأنزل والنيل تحتي، والجزيرة تنظر إلي من بعيد وأنا في ساعات الخدمة ليلاً. مشت الخمسون سنة بي سريعاً حتى أُحلت على التقاعد، وعدت أدراجي لتأمّل الجزيرة. وكأنّها لم تتغيّر، حتى إنّ النخيل هو الآخر وكأنّه لم يكبر. رست السفن السياحية، وكثرت الكلاب الضالة، وقلّت الأشجار، أو قل قد صارت أكثر حزناً ونظافة من الماضي، إلا أنّ الجزيرة وكأنّها لم تتغيّر، حتى المركب الصغير القديم وكأنّه لم يتغيّر، وحدي أنا الذي تغيّرت، فقد قلّت خطواتي، وزاد اهتمامي بتعداد المحافظة كلّ صباح يوم جمعة، ففي الجمعة الماضية كان عدد سكّان المحافظة، محافظة المنيا، كما هو واضح من اللافتة الضوئية، 6906191 نسمة، وفي الجمعة التالية وصل إلى 6912162 نسمة، أي بزيادة قدرها 6000 نسمة تقريباً في أسبوع واحد، وقد غلبني الفرح والفخر أيضاً. أتذكّر أنّ الشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم، قال فور أن نزل في القاهرة للمرّة الأولى: "هل كلّ هؤلاء الناس عرب، فإذن يحقّ لي ألا أخاف بعد ذلك". جبل سوادة هناك مكانه، وأكاد أن أرى من مكاني تعبي وأنا سهران في خدمة الشتاء بالسلاح على "موقع الذخيرة"، أو أراني أنزل من جبل سوادة الشاهق، أو حين أرى عليّاً من قفط – قنا، وهو يصعد الجبل بعد يومَين أو ثلاثة من عملية المصران ثم يذهب إلى قفط ويعود، ونحكي في الدشمة، أو أراني أسلّم عهدة الخدمة الباقية لأحمد الذي كان سجيناً دائماً، أو حين أدسّ في يده الجنيه وهو ينزل من المركب إلى السجن بينما أنزل أنا إلى المركب في إجازة. وما زال الجبل مكانه، وما زالت الذكرى، وما زال عليٌّ من قفط يطلّ عليَّ. عليٌّ الذي كان يعمل في تعبيد الطرق قبل الجيش، وما زال المركب، وما زالت النخلات، أنا فقط مَن تعبت خطواته بعد خمسين سنة، أجلس هكذا أتأمّل الجزيرة، وأتأمّل النخلات وأتأمل الجبل. الجبل مكانه، وشجيرات الموز مكانها، والكلاب أيضاً، ومبنى المحافظة الذي صمّمه أحد أعمام عبد الحكيم قاسم كما هو، بل ازداد بهاءً في طلعة الشمس، والمواليد قد ازدادت عدداً في يافطة المحافظة، إلا ذلك المبنى الصغير الذي كان خلف المحافظة، للبنات المغتربات من بنات الجامعة، وكان خلف المحافظة تماماً، وعاشت فيه زوجة عبد الحكيم قاسم أيّام حبّه لها، وكانت تكتب له الخطابات من غرفتها، فأصرّ عبد الحكيم قاسم، حين جاء إلى المنيا للمرّة الأولى والأخيرة، أن يلتفّ ليلاً حول ذلك المبنى كدرويش، كي يرى تلك الغرف التي كانت تكتب له حبيبته منها الخطابات، وطالت وقفته، كما حكى لي الناقد جمال التلّاوي، وأخيراً طلب منهم أن يرى مبنى المحافظة الذي صمّمه أحد الأعمام. ظلّ المبنى كما هو، وأُزيل مبنى الحبيبة لأمر ما. كان المخرج شادي عبد السلام، ابن المنيا وابن عائلة الشوادي، يقول لأحد تلامذته من المنيا: "نفسي أموت قبل أن يأتي أحد الأغبياء ويهدم مبنى محطّة قطار المنيا"، وكان له ما تمنّى. وبعد شهرَين من موته هُدِمت المحطّة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية