عربي
من حيفا 1948 إلى جنوب لبنان 2026، في الثلث الأخير من إبريل/نيسان، يتكرر النموذج ذاته بأسماء وتواريخ تتبدّل وجوهر لا يتبدّل. سننهبكم (بعد قتلكم وطردكم) وسيخرج منّا من يقول إن هذا ليس جيداً.
نموذج بلغ من التكرار حدّ الرداءة، حين يصبح التكرار عبئاً على اللغة قبل أن يكون على الضمير. حين يمكنك أن تجد إدانة للجريمة وصون السلالة التي ارتكبتها في النص ذاته.
وقد أخبرني الباحث السوري منير العكش المختص بالتاريخ الإبادي الأنجلوفوني بأن بعض النصوص التراجيدية الكبرى عن الضحايا، الهنود الحمر تحديداً، كتبها مستعمرون بيض. هكذا إذن يمكن أن يتكلم المستعمر أحياناً بأبلغ لغة عن الجرح، لا ليهدم نظامه الاستعماري، وإنما ليضيف إلى سلطته امتياز رواية المأساة، نيابة عن ضحية بريء، ومسكين، وغير متحضر.
من واشنطن إلى تل أبيب يتجدد المعنى الصهيوني الذي يغدق على البشرية بنصه المتفوق: إن الجريمة حين وقعت فقد وقعت، وها نحن اليوم نشعر بالحرج. وسنمارسها غداً وبعد غد نعدكم بأننا سنشعر بالحرج.
أمس الثلاثاء، تناقلت وسائل الإعلام تحذير رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير إلى قواته في جنوب لبنان من مغبّة ارتكاب أعمال نهب، لا بل إذا أردتَ ملعقة أخلاق إضافية، فقد اعتبر زامير أي نهب جديد "خطاً أحمر".
لقد رأيناهم ينهبون قطع الأثاث، والثلاجات، والدراجات، والتلفزيونات في عشرات المدن والبلدات والقرى خلال الأيام الماضية، في ذات الأيام التي كانت تُنهب فيها حيفا عقب سقوطها يوم 21/ 22 إبريل/ نيسان 1948، على يد جنود وجنديات جيش الاحتلال، أو العصابات الصهيونية، بحسب ما تريد.
الاستباحة والاعتذار
ولا شيء يفعله كتاب "نهب الممتلكات العربية في حرب 1948" ("مدار" المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، رام الله/ ترجمة أمير مخول، (2023) للمؤرخ الإسرائيلي آدم راز، سوى سرد تفاصيل توجع القلب عن النهب الجماعي من أرشيفهم، لا بل من واحد في المئة من هذا الأرشيف.
قبل 78 سنة سقطت حيفا، المدينة العصرية الأولى في فلسطين، ونُهبت عن بكرة أبيها، فخرج من الصهاينة من يقول إن ما جرى مخزٍ، وهو الذي سيقوله، ويؤكد عليه حفيدهم آدم راز.
لا يوجد مشهد مستمر في إيقاعه الدموي دون وقفة. إن الإيقاع يصبح ضوضاء إذا استمر. الوقفة الإبادية الحضارية هي التي تجعل الضحية يستمع لصوتين: الاستباحة والاعتذار.
في رسالة وصلتنا إلى إحدى الصحف اليومية ذات يوم من قارئ جاء فيها "أستبيحكم عذراً"، بدل "أستميحكم"، لكنني، وقد كان نصيبي أن أقرأ الرسالة بوصفي محرراً مناوباً، انشغلتُ بعد الضحك على الخطأ الطريف، بصحة هذا العبارة وانطباقها بالحرف على التاريخ الاستعماري الحديث الذي يتقاسم اللعبة: تعال نفعلها.. أنت تستبيح وأنا أعتذر، أو حتى أنا حين أستبيح وأعتذر أبدو حداثياً أكثر.
بالنسبة للمؤرخ الإسرائيلي آدم راز فإن نهب الممتلكات العربية عام 1948 كان فعلاً لا يمثّل الأخلاق الصهيونية. يكتب في مقدمة كتابه "لم تكن الحركة الصهيونية حركة نهب منذ نشأتها"، ثم يقضي 360 صفحة يثبت العكس بالوثائق. هذه الجملة الافتتاحية ليست زلة، هي مفتاح البنية كلها.
14 مليون وثيقة
استند راز في كتابه إلى أكثر من عشرين أرشيفاً إسرائيلياً، وجاب ما يمكن الوصول إليه من وثائق في سنوات بحث مضنية. ثم وقف عام 2023 أمام لجنة العلوم والتكنولوجيا في الكنيست وقال "يكاد يكون من المستحيل إجراء بحث أكاديمي هنا، لأن المؤرخ الذي لا يعمل في وزارة الدفاع (الأمن) لا يستطيع الوصول إلى الأرشيف. حقول بحثية بأكملها ببساطة غير موجودة".
من أربعة عشر مليون وثيقة في أرشيف الجيش والشاباك لا يتاح للعموم إلا واحد بالمئة. الأرشيف لا يُغلق لأن ما بداخله يمس الأمن القومي، بل لأنه يمس الرواية القومية. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين سر يحمي دولة وسر يحمي أسطورة.
يهدي راز كتابه إلى جدّه سيمحا شيلوني، رجل البلماح الفخور، ويكتب في خاتمة الإهداء "أحياناً يقال لي إنني مثله. أتمنى ذلك بالتأكيد. بكل معنى الكلمة". والبلماح هي الوحدة العسكرية ذاتها التي يوثّق راز أنها رأس حربة في عمليات النهب، ومن ذلك مثلاً استباحة صفد لمدة أربعة أيام متواصلة بإذن قائدها العسكري.
تمني الحفيد ليس نفاقاً، وهذا بالضبط ما يجعله مقلقاً. الرجل يعرف ما يكتب، ويكتب ما يعرف، ثم يتمنى. ثلاث حركات متتالية لا تتناقض في وعيه. لأن الفعل والفاعل انفصلا منذ زمن بعيد: الجدّ شخص يُحبّ، والبلماح تاريخ يُفخر به، والنهب حادثة أفرزتها الحرب ولا تمسّ جوهر أحد. هذا الفصل لا يُعاش ازدواجياً بل اتساقاً يدير بعضه بعضاً.
في كل مجتمع استيطاني يوجد من يقول إنه منزعج، من يشجب، من يكتب مقالاً، من يهمس بأن ما جرى قبيح، مثلما وقع اليوم الثلاثاء، إذ تناقلت المواقع فيديو يظهر فيه تامير باردو، المدير السابق للموساد، ينهي جولته في الضفة الغربية قائلاً إن ما رآه يذكّره بفظائع القرن الماضي وأمه الناجية من الهولوكوست وإنه يشعر بالعار لأنه يهودي.
غير أن الشعور الذي لا يوقف شيئاً يتحول مع الوقت إلى وظيفة أخلاقية نافعة للنظام نفسه. مستوطنون وجنود ينهبون ويقتلون في الضفة الغربية، وجنود يقتلون وينهبون في غزة وجنوب لبنان، وآخرون يشعرون بالأسف. هكذا يصبح الضمير شاهداً منزوع الأسنان، ويغدو الاعتراف الجزئي ستاراً يحجب الاعتراف الكامل.
جرو مسروق
الجندي الذي سرق جرواً في غزة ويظهر في الفيديو وهو ويركض بينما الكلبة الأم تركض وتعوي يائسة خلفه، سيشاهده المشاهدون على مواقع التواصل بوصفه مزحة ثقيلة الدم خصوصاً عند جمعيات الرفق بالحيوان، بينما كان الجرو ربما يعيش قريباً من عائلة مُسحت من السجل المدني.
من مدن وبلدات وقرى فلسطين 1948 إلى لبنان في إبريل/ نيسان 2026 يمتد خيط واحد مفاده التطبيع مع امتلاك ما ليس لك.
قبل أيام، ظهرت جندية إسرائيلية في بيت جنوب لبناني ليس لها، وهناك من يصورها وهي في مطبخ عائلة لا نعرف إن كانت فوق التراب أو تحته، ثم ترسلها إلى العالمين، كما لو أنها ترسل بطاقة بريدية من رحلة.
سرعة تصوير الصور والفيديوهات بموبايلات الجنود الفخورين بالنهب، ونشرها لا يؤثر كثيراً في الاستجابة التي تشعر بالحرج.
انهب براحتك ونحن بعد يوم السبت سنقول شيئاً ما لما يسمى المجتمع الدولي. في تلك اللحظة العربية المهينة تتكلم ثمانٍ وسبعون سنة دفعة واحدة.
من داخل الجريمة
ما تركه كتاب آدم راز من شهادات لا يُحتمل في بساطته الوحشية. في صفد المهجورة كتبت مقاتلة في كتيبة البلماح الثالثة رسالة إلى والديها بنبرة البهجة الاعتيادية تصف ما أحضرته: فستانان عربيان مطرّزان، وملاعق ومناديل وأساور، وطاولة دمشقية، وطقم فناجين من الفضة، وسجادة فارسية كبيرة وجميلة وجديدة تماماً. ثم أضافت في آخر الرسالة، كأنها تتذكر تفصيلاً عارضاً "هذه الورقة هي أيضاً تعود للعرب".
الورقة التي تكتب عليها مسروقة. والأغراض التي تهديها لأمها مسروقة. والبيت الذي جاءت منه خُلع أهله. وكل ذلك يُروى بنبرة من تحكي عن نزهة. لأن ما تصفه لم يكن في وعيها جريمة، كان حقاً مستحقاً في زمن الحرب.
وسنلاحظ أن الفلسطينيين هم "العرب" كما يطلق عليهم راز، وهو ما تعترض عليه المؤرخة الإسرائيلية رونا سيلع في انتقادها للكتاب، الذي في رأيها يتعمّد تغيبب اسم فلسطين والفلسطينيين.
وبالنسبة لي لا تعارض لازماً بين عربي وفلسطيني، حتى لو أراد الخطاب الصهيوني صنع هذا التعارض، فالعروبة دائرة أوسع تحتوي دوائر أصغر.
غزاة في الشاحنات
عقب سقوط حيفا كتبت صحيفة "عل همشمار" الإسرائيلية عمّا رأته في الشوارع "جاء الغزاة في الشاحنات، وأحضروا معهم أثاثاً. وسُمعت صيحات، وشوهد أطفال عرب يبكون".
وفي القدس كان الرجل العربي العجوز، صديق اليهود منذ خمسين عاماً، يجلس في بيته حين داهمه الجنود وانتزعوا الساعة من يده وأخذوا أربعين ليرة من ماله. بكى الرجل العجوز، ولم يكن بكاؤه بسبب الساعة والمال.
لم يبك على الساعة، بل لأن نصف قرن من الصداقة لم يحمه. بكى لأن العالم الذي عرفه انهار في اللحظة التي مدّ فيها جندي يده نحو معصمه.
وكتب قائد سرية يدعى موشيه سالومون في مذكراته "كادت شهوة التخزين تصيبني بالجنون. في الوقت المناسب تمالكتُ نفسي وسيطرتُ على غرائزي. إنه لأمر جيد أنني عرفت قبل فوات الأوان. هنا يبدأ الانحطاط الأخلاقي والإنساني".
سالومون لا يرى الانحطاط في فعل النهب المحيط به، يراه في لحظة الإغراء التي كاد يستسلم لها. النهب كان الوضع الطبيعي. مقاومته هي الاستثناء الذي يفخر به. وأما الضباط حين يُسألون فلدى جميعهم حججهم الجاهزة "حضرتُ إلى هنا فقط منذ أسبوعين. ليس هناك من نُلقي القبض عليه. لا نعرف متى حدثت أعمال السرقة، وكل يوم يتبدّل القائد".
هذه آلية توزيع المسؤولية حتى تتبخر. الجميع مذنب فما من أحد إذن معيّن مذنب نحاسبه بوصفه خارجاً عن قيمنا. من حوسبوا في تاريخ الدولة الصهيونية على جرائمهم تجاه العرب، كانوا كما الأبناء المشاغبين الذين قُطع عنهم مصروف المدرسة.
كانت هناك امرأة يهودية شاركت في معركة طبريا، فكتبت وهي ترى نهب رفاقها "إنّ هذه المشاهد معروفة لنا، لكننا رأينا كيف مورست بحقّنا نحن إبان الكارثة في الحرب العالمية والمذابح التي لازمتها، يا ويلنا كيف عانينا من هذه الفظائع، في حين أننا هنا نرتكب هذه الفظائع بحق الآخرين؟". يورد الكتاب: لقد تساءل السكان العرب في حيفا في إبريل/ نيسان 1948 "هل هذا حكم هتلر؟".
نسوية غولدا مائير
ولمن لديه متسع من الخيال، فيمكنه أن يفتح فتحاً فكرياً خلاقاً، وهذه هي غولدا مائير صاحبة الحساسية النسوية المبكرة (!)، لا أنا ولا أنت ولا المجتمع الدولي بأسره يمكنه منع غولدا من أن تكون رائدة نسوية.
في الكتاب ذاته يرد ذكر غولدا، وهي تتحدث عن ضرورة دور نسائي في كبح شهوة النهب عند الذكور. في الظاهر يبدو هذا الكلام أخلاقياً، وربما يمكن تسويقه اليوم بوصفه صوتاً نسوياً داخل مشروع ذكوري مع تصوير أبيض وأسود وموسيقى بيانو.
غير أن الأرشيف يكشف ما يفسد هذه الطليعة الرومانسية. لقد كانت هناك مشاركة نسائية نشطة في الاستيلاء على الممتلكات. المقاتلة التي كتبت لأمها عن الفساتين المطرّزة والسجادة الفارسية لم تكن شاهدة، كانت فاعلة.
وثمة فتاة في أشد أنواع التهريج الدموي فساداً، وضعها أهلها في شاحنة فوق ثلاجات منهوبة لم يوقفها الجنود لأن الأهل كانوا يصيحون "معنا جريحة.. معنا جريحة" ليسمحوا لهم بالمرور بالمنهوبات.
المشكلة ههنا، ليست في جنس الفاعل، وإنما في البنية التي تستوعب الجميع. الاستعمار لا يلين ويرقّ حين تشارك فيه النساء، بل هو قادر على تجنيد القيم الحديثة نفسها لصالحه، يستعير لغة التحرر والمساواة والتمدن، ثم يضعها فوق مشهد النهب كما توضع ستارة أنيقة على مرحاض محطّم.
