عربي
لم يكن وصول منتخب الأردن إلى نهائيات كأس العالم 2026، التي ستقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وليد صدفة أو مجرد لحظة توفيق عابرة، بل هو ثمرة مسار طويل من العمل والتخطيط، تخللته محطات صعبة وتجارب لم تكتمل، لكنها أسهمت في بناء هذا الحلم الذي أصبح اليوم حقيقة.
كرة القدم الأردنية عرفت طريقها إلى المنافسة القارية منذ سنوات، وتحديداً في كأس آسيا 2004 تحت قيادة المصري محمود الجوهري، عندما بلغ المنتخب ربع النهائي ووقف نداً قوياً أمام اليابان قبل أن يودع بركلات الترجيح. وتكرر المشهد في نسخة 2011 بقيادة العراقي عدنان حمد بوصول جديد إلى الدور نفسه وخروج مشرف أمام أوزبكستان. أما الحلم الأكبر، فكان قريباً جداً في تصفيات مونديال 2014، حين قاد المصري حسام حسن "النشامى" إلى الملحق متجاوزاً أوزبكستان بركلات الترجيح، قبل أن يصطدم بعقبة أوروغواي في الملحق العالمي.
ورغم تلك الإخفاقات، لم تتوقف المحاولات، بل تحولت إلى دروس متراكمة. وجاءت النقلة الحقيقية مع التألق اللافت خلال كأس آسيا 2023 في قطر، حين بلغ المنتخب النهائي بقيادة المغربي حسين عموتة، وفرض نفسه رقماً صعباً في القارة. ذلك الإنجاز لم يكن مجرد نتيجة، بل إعلاناً واضحاً عن ميلاد جيل قادر على الذهاب بعيداً.
وفي الخامس من يونيو/ حزيران 2025، كتب "النشامى" صفحة جديدة في تاريخهم بعد الفوز على عُمان بثلاثية نظيفة، ليحسموا التأهل المباشر لكأس العالم محتلين المركز الثاني خلف كوريا الجنوبية، في إنجاز طال انتظاره. تواصلت المسيرة الإيجابية مع المدرب المغربي جمال سلامي، الذي قاد المنتخب إلى نهائي كأس العرب 2025، مؤكداً استمرارية المشروع الفني ونجاحه.
ولا يمكن الحديث عن هذا الإنجاز دون الإشارة إلى الدعم الكبير الذي حظيت به كرة القدم الأردنية، سواء من خلال البنية التحتية أو الاستقرار الإداري، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تطور المنتخب. لقد شكّل هذا الدعم، إلى جانب العمل الفني، قاعدة صلبة مكنت "النشامى" من تجاوز التحديات وبلوغ العالمية.
المنتخب الأردني سيدخل المونديال بثقة كبيرة، وهو يستعد لمواجهة منتخبات قوية في مجموعة صعبة تضم، النمسا والجزائر والأرجنتين. التحضيرات جاءت مدروسة، من خلال معسكرات ومباريات ودية أمام منتخبات مثل كوستاريكا ونيجيريا وسويسرا وكولومبيا، بهدف رفع الجاهزية وتصحيح الأخطاء ومنح الفرصة لعناصر جدد للانسجام مع القوام الأساسي.
ويمتلك "النشامى" تشكيلة تجمع بين الخبرة والطموح، يقودها نجوم بارزون في مختلف الخطوط بقيادة موسى التعمري وكذلك مع عودة عناصر مؤثرين مثل يزن النعيمات وعلي علوان، ما يمنح الفريق توازناً فنياً وقدرة على المنافسة.
اليوم، تعيش الكرة الأردنية لحظة تاريخية، عنوانها الإصرار وروح التحدي. لم يعد الحلم مجرد مشاركة في كأس العالم، بل أصبح الطموح أكبر، بالذهاب بعيداً في البطولة، وكتابة فصل جديد من الإنجاز.. إنها قصة جيل آمن بقدراته، وعمل بصمت، حتى وصل إلى المكان الذي يستحقه بين كبار العالم.
