فانس في السياق الإسرائيلي
عربي
منذ ساعة
مشاركة
وصفت رئيسة مجلس النواب الأميركي السابقة، نانسي بيلوسي، مشهد الإذلال النادر للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض نهاية فبراير/ شباط 2025 بأنّه "عرض مُخزٍ". كان نائب الرئيس جي دي فانس نجم ذلك العرض الذي أظهره متنمّراً، بالغ الفظاظة، وعلى يمين ترامب نفسه. ولعلّ أبلغ ما وُصف به فانس آنذاك قول السيناتور الديمقراطي عن ولاية أريزونا، مارك كيلي، إنّه بدا كمن لو أنّه يقول لترامب: "انظر ما أنا قادر عليه يا أبي"، ما يحيل إلى "سيكولوجيا الرجل الثاني" بالغة التعقيد في الأنظمة الأبوية والسياسية، إذ ثمّة عملية قتل محتملة (ومتوقّعة) في أيّ لحظة، بعدها تأتي عملية الإبدال بين الأجيال، في تكرار تاريخي غير مفهوم في قوّته للنزعات الأوديبية في العلاقات الإنسانية. يمكن بالطبع إدراج "تنمّر" فانس آنذاك في سياق آخر، يتعلّق بآرائه الانعزالية و"أميركا أولاً"، ومعارضته دعم زيلينسكي من الأساس، لكنّ هذا لا يكفي لفهم انخراط الرجل في المفاوضات مع إيران مثلاً، خصوصاً أنّه كان من معارضي الحرب معها حتى قبل وصوله إلى مقعد الرجل الثاني. ولنقل إنّ الأب (ترامب) دفع به إلى تلك المفاوضات لاختبار ولائه بقدر ما كان هذا لأهداف أخرى، منها "توريطه" مثلاً، وطمأنة طهران أو الاستجابة لشروطها غير المعلَنة باستبعاد الثنائي غير المرح (ويتكوف وكوشنر)، ما يعني، إن صحّ هذا، أنّ فانس وقع في فخاخ ترامب، وأنّه سيظلّ ينظر إلى الأب نظرةَ مَن يتوسّل الإعجاب، حتى في الملفّات التي لا يوافقه فيها، ومنها إيران، بما يدفعه إلى الاقتراب من موقف الأب وليس العكس. وإذا كان ثمّة من ميزة هنا، فهي أنّها المفاوضات الأولى في عهد ترامب التي لا يديرها "الفريق الإسرائيلي" في البيت الأبيض، من أوكرانيا إلى غزّة، وأنّ دخول نائب الرئيس في خطّ المفاوضات، وهذا أمر نادر الحدوث، قد يعني توريطه وإشراكه في "الفشل"، وتمريغ أنفه بالتراب، في ملفّات يعارض أسلوب إدارتها، تمهيداً لدمجه في الفريق التصعيدي، بل دفعه إلى واجهة التصعيد. ويبدو أنّ فانس المتحفّظ والمحافظ ينجرّ أكثر فأكثر إلى دور المتنمّر الذي يلجأ إليه الأب (ترامب) لتأديب خصومه. ولا يُعرف ما إذا كان فانس، وهو شعبوي، لكنّه ليس غبياً بكلّ، يعي عمق الحفرة التي يُدفع إليها، إلا أنّه يبدو سعيداً بها، إذ ربّما كانت برنامجه الانتخابي لوراثة ترامب نفسه في البيت الأبيض. صحيح أنه لم يعد بفرو الدب من مفاوضات إسلام أباد، إلا أنّ ذلك قد يكون المطلوب بالضبط. وربّما كان من سوء حظ فانس أن يتزامن هذا مع زيارته "المتهوّرة" لبودابست قبيل الانتخابات المجرية لدعم اليميني فيكتور أوربان الذي خسر الانتخابات، ما يعني أنّ الرجل ينتقل من حفرة إلى أخرى وهو يبتسم ويلوّح بيديه لجمهوره إن وُجد. يظنّ كثيرون أنّ معيار الصعود السياسي في الولايات المتحدة مرهونٌ بالسياسة أو الحكمة، بينما هو في حقيقته مرهون بالحماقة والشعبوية غالباً. فالرهان على "الأميركي الأبيض"، الكاثوليكي هذه المرّة، الشاب، قد يأتي بالنتيجة المطلوبة، تكريس الغطرسة الأميركية، وعزلها عن بقية العالم، باعتبار ذلك السبيل الوحيد لتستعيد البلاد "عظمتها" المرجوّة، وهو ما يبدو أنّ فانس هو الأكثر ملاءمة لتمثيله، لولا أنّ ثمّة إسرائيل في العالم. فما يُطلب من فانس أن يفعله هنا أو هناك لا ينطبق على إسرائيل، هل تذكرون تعبيره عن شعوره بالإهانة الشخصية عندما أعلن الكنيست الإسرائيلي ضمّ الضفة الغربية، بينما كان يزور تل أبيب في أكتوبر/ تشرين الأول 2025؟ والظنّ أنّ من شأن توريطه في ملفّ إيران تقريبه من إسرائيل وليس العكس، أي إرضاخه، وضمّه إلى الفريق الإسرائيلي المحيط بترامب. إذا صحّ هذا، ولم يكن تحليلاً متطرّفاً في رغائبيته فإنّ ما يعتبره الآخرون فشل فانس قد يكون نجاح بعضهم في إدراجه في الآلة الأميركية الكبيرة التي تنعزل عن العالم، ولكن ليس عن إسرائيل، فتخوض حروبها على أيدي أكثر رجالاتها اعتداداً ودعوةً إلى النأي بالنفس عن بقية العالم وتغليب "أميركا أولاً"، وماذا تريد إسرائيل أكثر من هذا وهي ترى فانس ينظر إلى ترامب كأنّه يقول له المرّة تلو الأخرى: "هل ترى ما أستطيع فعله يا أبي".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية