لبنان.. لا لحملات التخوين
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
تفتح وسائل التواصل، فتخال، لوهلة، أنّ لبنان قد وقّع اتفاقية سلام مع العدو، وأنّه قد تمّ تطبيع العلاقات، وأنّ إسرائيل افتتحت سفارة لدينا، وأنّنا على وشك فتح سفارة لديهم، ولكننا ما زلنا فقط مُحتارين، إن كنا سنفتحها في تل أبيب، أم في القدس! وقد تظن لوهلة أنّ موشي، ونافتالي، وإيستير، يتنزّهون على الكورنيش، أمام صخرة الروشة، وأنّ شربل، وبتول، وعمر، أصبحوا يقومون برحلات سياحية إلى يافا! هذا ما تفهمه عندما ترى الحملات تعليقًا على لقاء سفيرة لبنان في واشنطن، ندى حمادة معوّض، وسفير العدو في العاصمة نفسها يحئيل ليتر، بحضور وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، والسفير الأميركي في لبنان ميشيل عيسى. هذا ما تستشفه، لبضع ثوانٍ، من صرخات: يا للعار! ويا للشنار! ليس باسمي!  ولكن سرعان ما تعود إلى رشدك، وتتذكّر أنّه في الظروف الكارثية الحالية، التي سبّبها غالباً، حزب اللّه ومن وراءه (فيما لم يجنِ لبنان على أحد) كما يقول أبو العلاء المعري، جُلّ ما في مقدرة الجانب اللبناني أن يفاوض عليه، ليس وقف إطلاق نار، بل خفض التصعيد، ولا سيما تحييد بعض البنى التحتية والمناطق. هذا حجم المفاوضات اليوم. لو تواضع حزب اللّه قبل ذلك، وقَبِل بأن يتعاون مع الدولة اللبنانية بشأن حصرية السلاح، خصوصًا بعد اتفاق وقف الأعمال العدائية، لو لم يفضّل غالباً مصلحة إيران على المصلحة اللبنانية العليا، لكان موقف لبنان التفاوضي أفضل بكثير، وأقوى بكثير. على رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة، مصارحة الناس، وأن يشرحوا لهم، بشفافية ووضوح، أنّ هدف المفاوضات وقف الحرب، التي ورّط حزب الله البلد فيها مرّة جديدة، وتنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية معطوفًا على القرار 1701 (خصوصًا وقف النار والانسحاب الإسرائيلي الكامل). أمّا مفاوضات السلام، فخارج المعادلة كليًّا؛ خصوصًا أنّ لبنان مُلتزم مبادرة السلام العربية (قمّة بيروت 2002). على السلطة السياسية اللبنانية أن تفسّر موقفها للشعب اللبناني من هذه المفاوضات، خصوصًا أنّ الإسرائيلي سوف يستغل المفاوضات الجارية مع لبنان، من أجل أن يبيع أوهام السلام والتطبيع لجمهوره في الداخل، قبيل الانتخابات المرتقبة.  "يوم حزين"، و"يوم عار"؟ على أساس أنّ مسلسل الحروب العبثية المستمرّة، الذي يعيشه لبنان غالبًا بسبب مغامرات حزب اللّه ومن وراءه، وما يرافقها من خسائر بشرية ضخمة، فاقت بحجمها الخسائر البشرية بفعل العدوان الإسرائيلي ـ الأميركي على إيران نفسها، ومن تدمير كبير، ومسح لقرى بأكملها عن الخريطة في جنوب لبنان، وتوسيع لرقعة الاحتلال، هو قمّة الفرح، والسعادة، والشرف، والكرامة، والعنفوان؟ سوف يستغل الجانب الإسرائيلي المفاوضات الجارية مع لبنان، من أجل أن يبيع أوهام السلام والتطبيع لجمهوره في الداخل، قبيل الانتخابات المرتقبة أمّا في ما يتعلّق بـ"السلام"، فمساره طويل جدًّا، وغير مضمون إطلاقًا، ودون ذلك معارضة مهولة في الداخل اللبناني، تتخطى إطار جمهور حزب اللّه بأشواط، ولا سيما داخل الطائفة السنية، ولا شكّ أنّ السلطة اللبنانية تدرك ذلك جيدًا. فلا سلام من دون عدل؛ ولن يكون عدل، ولن تقوم دولة سيادة فعليًّا في لبنان، إلا بعد أن تقوم الدولة اللبنانية بمقاضاة (ومطالبة بالتعويض) كلّ من:  ـ إسرائيل، باعتبارها المسؤولة الأولى عن انتهاك سيادة لبنان، واستقلاله، وسلامة أراضيه، واستهداف المدنيين، والتي يتخطى ردّها على أفعال حزب اللّه إطار الدفاع المشروع وشروطه بأشواط (هذا إن كان لها أصلًا الحقّ في الدفاع المشروع بحسب القانون الدولي)، فضلًا عن انتهاكها للقانون الدولي الإنساني بشكل فادح وكثيف. خصوصًا أنّ تاريخ الإجرام الإسرائيلي حافل في لبنان، وهو لا يبدأ بتفجير طائرات الميدل إيست في مطار بيروت الدولي سنة 1968، ولا ينتهي بالهجمات الوحشية على العاصمة في 8 إبريل/نيسان الحالي، مرورًا باجتياحي 1978 و1982، وعمليتي "تصفية الحساب" (1993) و"عناقيد الغضب" (1996)، التي غالبًا لم تسلم فيها محطة كهرباء من الاستهداف الإسرائيلي؛ وحرب 2006 التي لم يسلم فيها غالبًا جسر من التدمير في لبنان، وسبّبت تلوّثًا تاريخيًّا للشاطئ اللبناني؛ فضلًا عن احتلال دام 22 سنة، وما رافقه من معتقلات تعذيب، وأشهرها في بلدة الخيام الجنوبية.  ـ حزب اللّه، باعتباره التنظيم المسلّح، الذي انخرط في نزاعات مسلّحة بعد التحرير (عام 2000)، وفرضها على الدولة وعلى البلد فرضًا، من خارج الأطر الدستورية، ما استجرّ خسائر بشرية فادحة، فضلًا عن دمار هائل وتوسّع رقعة الاحتلال العسكري. لا لحملات الكراهية، والاستعلاء، والتخوين. لا لهيمنة اسرائيل، ولا لهيمنة إيران ـ إيران، باعتبارها الدولة التي تسيطر فعليًّا على هذا التنظيم، ومطالبتها بالتعويض على أساس قواعد نسب الأفعال غير القانونية إلى الدولة في القانون الدولي. هذا علمًا بأنّ من حقّ الضحايا المدنيين على الأراضي اللبنانية، من جراء هذه النزاعات المسلّحة، أن يقاضوا أيضًا الدولة اللبنانية، التي لم تقم بواجبها في بسط سيادتها فعليًّا على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها، ما كان مبدئيًّا ليحول دون فرض الانخراط في هذه النزاعات المسلّحة على لبنان بهذا الشكل، ووقوع خسائر بشرية ومادية على أراضيه. في المحصلة، حفظًا للبلاد من حرب أهلية، "ساخنة" أو "باردة"، وصونًا للسلم الأهلي، خصوصًا للعيش المشترك الحقيقي الذي هو روح لبنان، لا لحملات الكراهية، والاستعلاء، والتخوين. لا لهيمنة إسرائيل، ولا لهيمنة إيران. نعم للبنان الدولة، التي تحصر السلاح بيدها، وتحمي الجميع وحدها، فتحفظ العيش المشترك الحقيقي. نعم للبنان وطن سيد، حر، مستقل، لجميع أبنائه المتساوين بالحقوق والواجبات أمام القانون؛ لبنان الذي يفاوض بالنيابة عن نفسه، من أجل أن يحاول إخراج نفسه من أتون الحروب المفروضة عليه، ومن أجل أن يتوقّف مسلسل خطف هذا البلد، ورميه في فم الذئب الإسرائيلي المجرم، كرمى لأجندات خارجية، لا تتردّد في التضحية به باعتباره مجرّد "ضرر جانبي" في الصراعات الإقليمية، وكبش فداء على هامش الصفقات الدولية، وساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وتوجيه الرسائل بالحديد والنار. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية