عربي
رغم الإعلان عن اكتشافات كبيرة للغاز الطبيعي في البحر الأسود، لا تزال تركيا بعيدة عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من الطاقة، وتواصل التأثر بالتقلبات العالمية وارتفاع الأسعار، خصوصاً في ظل الأزمات الجيوسياسية التي تضغط على أسواق النفط والغاز. ويطرح هذا الواقع تساؤلات عن أسباب استمرار الاعتماد على الاستيراد، رغم أن احتياطي الغاز المكتشف في البحر الأسود يقدر بنحو 785 مليار متر مكعب، وهو من أكبر الاكتشافات في تاريخ البلاد. يجيب وزير الطاقة والموارد الطبيعية، ألب أرسلان بيرقدار، عن هذا السؤال بالقول إن تركيا بدأت بالفعل تقليص اعتمادها على المصادر الأجنبية، ولا سيما في ما يتعلق بالغاز الطبيعي المستخدم في المنازل، مشيراً إلى أن عام 2026 سيكون محطة مهمة، حيث ستُلبّى احتياجات نحو ثمانية ملايين أسرة، على أن يرتفع هذا الرقم إلى ما بين 16 و17 مليون أسرة بحلول عام 2028، من خلال الإنتاج المحلي في البحر الأسود.
وقال الوزير، خلال مشاركته في اجتماع استراتيجية منطقة وسط الأناضول الذي عقد في ولاية قيصري، أول أمس السبت، إن العالم يواجه أزمة طاقة حادة، ولا تزال آفاقها الزمنية غير واضحة، مؤكداً أن التحدي الأكبر لتركيا يتمثل باستمرار اعتمادها على مصادر الطاقة الأجنبية، إذ تستورد نحو ثلثي احتياجاتها من الطاقة. وأوضح أن فاتورة استيراد الطاقة بلغت نحو 96.5 مليار دولار في عام 2022، قبل أن تنخفض إلى ما بين 60 و70 مليار دولار خلال عامي 2023 و2024، لكنه أشار إلى أن عام 2026 قد لا يكون إيجابياً على صعيد الواردات، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. وأضاف أن تركيا طورت قدرات إنتاجية كبيرة، إلى جانب قطاع صناعي وتصنيعي قوي، فضلاً عن اكتشاف موارد النفط والغاز وتطويرها، لافتاً إلى أن تجميع هذه الموارد، سواء في غابار أو البحر الأسود أو من خلال التوسع في عمليات التنقيب الخارجية، سيعزز مكانة تركيا الاقتصادية ويقودها نحو تحقيق قوة أكبر.
وفي ما يتعلق بالتوسع الخارجي، أشار إلى وصول سفينة الحفر التركية تشاغري باي إلى سواحل مقديشو، لبدء أول مشروع تنقيب بحري خارج الأراضي التركية، وهو أيضاً أول مشروع من نوعه في السواحل الصومالية، ضمن توجه استراتيجي لتعزيز الحضور التركي في قطاع الطاقة. وأكد الوزير أن تركيا أصبحت رابع أكبر دولة في العالم تمتلك أسطولاً متخصصاً في التنقيب في أعماق البحار، خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً، مشيراً إلى أن هذا التطور جاء نتيجة قرارات استراتيجية سريعة ومدروسة نُفِّذَت خلال السنوات الماضية. وأوضح أن هذه الجهود أسهمت في إحداث تحوّل استراتيجي في قطاع الطاقة التركي، بدأ فعلياً منذ عام 2016، وتكرس بشكل أوضح خلال السنوات اللاحقة، مع تكثيف عمليات البحث والتنقيب عن الغاز والنفط في البحار. وفي ما يخص الأعباء على المستهلكين، أشار بيرقدار إلى بدء تقديم دعم لاستهلاك الغاز الطبيعي اعتباراً من إبريل/ نيسان الجاري، مع استمرار دعم استهلاك الكهرباء ضمن حدود معينة، موضحاً أن النظام الجديد يحمّل المستهلكين ذوي الاستهلاك المرتفع جزءاً أكبر من التكلفة، مع إتاحة الاستفادة من الدعم عبر التقدم لوزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية.
يذكر أن إجمالي اكتشافات الغاز الطبيعي في المياه الإقليمية التركية، وخصوصاً في البحر الأسود، بلغ نحو 785 مليار متر مكعب، يتركز معظمها في حقل صقاريا، حيث بدأت عمليات التنقيب في بئر "تونا-1" عام 2020، لتتوالى الاكتشافات لاحقاً وترفع الاحتياطي تدريجياً إلى مستواه الحالي. وتشير مصادر من حزب العدالة والتنمية الحاكم لـ"العربي الجديد" إلى أن تركيا لا تزال في مرحلة تطوير البنية التحتية ونقل الغاز، رغم بدء الإنتاج عبر المنصة العائمة، بمعدل يبلغ نحو 9.5 ملايين متر مكعب يومياً، وهي كمية تكفي لتغطية احتياجات نحو أربعة ملايين منزل فقط. وتستهدف الخطط رفع الإنتاج إلى نحو 40 مليون متر مكعب يومياً بحلول عام 2028، بما يغطي أكثر من 75% من استهلاك المنازل، ما يمثل خطوة مهمة نحو تقليص الاعتماد على الاستيراد.
وترى المصادر أن تحقيق الاكتفاء الذاتي سيؤدي إلى تحول جذري في الاقتصاد التركي، من خلال تخفيف عبء فاتورة استيراد الطاقة، التي تتجاوز 60 مليار دولار سنوياً، والتي تُعَدّ من أبرز أسباب عجز الميزان التجاري وارتفاع الديون الخارجية. كذلك تشير إلى استمرار جهود التنقيب، سواء في البحر أو على اليابسة، حيث يبلغ إنتاج النفط المحلي نحو 150 ألف برميل يومياً، مقابل استهلاك يقارب مليون برميل يومياً، مع خطط لحفر ست آبار استكشافية جديدة في مناطق ريزه وأوردو وكاستامونو وسامسون خلال الفترة المقبلة.
وكانت تركيا قد تأثرت بارتفاع أسعار النفط عالمياً خلال الشهر الماضي، على خلفية التوترات الجيوسياسية، ما دفع إلى رفع أسعار المحروقات عدة مرات، وهو ما انعكس على تكاليف الإنتاج ومستويات المعيشة.
وتظل تركيا، التي تستورد أكثر من 360 مليون برميل نفط ونحو 60 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً، عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى توسيع عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار لكل زيادة قدرها عشرة دولارات في سعر البرميل، فضلاً عن تأثيره المباشر بالتضخم وتكاليف الإنتاج في مختلف القطاعات. وفي إطار تنويع مصادر الطاقة، تعتمد تركيا بشكل رئيسي على روسيا، التي توفر نحو 66% من واردات النفط و41% من الغاز، تليها أذربيجان بنسبة 21.2%، إلى جانب واردات من الولايات المتحدة ودول أخرى.

أخبار ذات صلة.
هدنة بلا فائدة للأسواق العربية
العربي الجديد
منذ 11 دقيقة
ما هي مخاطر خطة ترمب لحصار مضيق هرمز؟
الشرق الأوسط
منذ 19 دقيقة