عربي
يعيش اللبنانيون اليوم في ما يشبه كانتونين منفصلين ومتباعدين، رغم كل الخطابات التي تتحدث عن مصير مشترك وشعب واحد. هذا الانقسام يتجلّى في تفاصيل حياتنا اليومية، وتمكن قراءته رمزياً عبر أرقام الهواتف الأرضية التي تشبه الانقسام الذي نعيشه.
أعيش في مناطق (04) و(09)، أي المتن وكسروان وجبيل، حيث يكاد ينعدم الشعور بوجود حرب مدمرة تضرب مناطق أخرى من البلاد، لا سيما (07) جنوباً و(08) في البقاع والهرمل، إضافة إلى (05) و(01) في بيروت وضواحيها. هذا "الأمان" لا يخلو من استهدافات إسرائيلية هنا وهناك، سرعان ما تشعل فتيل الفتنة النائمة التي تستيقظ عندما يقترب الخطر من "مناطقنا".
يخترق "أماننا" صوت "أم كامل"، وهو الاسم الذي اخترناه نحن اللبنانيين للمسيّرة الإسرائيلية (MK)، حتى يكاد يُخيّل إليك أنه اسمها العسكري فعلاً؛ إلى جانب أصوات الطيران الحربي المتجه لقصف الضاحية الجنوبية لبيروت أو العاصمة. نقف متفرجين على الدخان المتصاعد، وكأننا نشاهد فيلماً عابراً على منصة نتفليكس، نعود إليه كلما اخترق صوت القصف "عالمنا".
يعيش اللبنانيون اليوم في ما يشبه كانتونين منفصلين ومتباعدين، رغم كل الخطابات التي تتحدث عن مصير مشترك وشعب واحد
ألازم المنزل منذ بدأت الحرب، ولا أخرج إلا لقضاء حاجات ضرورية أو لزيارة المعالج النفسي. هنا، في "عالمنا"، تبدو الحياة طبيعية: مطاعم مكتظة، أطفال يلعبون في الشوارع، نساء ينشرن الغسيل على الشرفات، وزمامير السيارات تغطّي على أصوات الحرب. لكنني، كلما خرجت، يتملكني شعور بالحزن واليأس والغضب. كيف تمضي الحياة هنا وكأن ما يحدث في "الكانتون الآخر" لا يعنينا؟ كيف تمضي، وبيننا نازحون لا يعلمون إن كانوا سيعودون إلى منازلهم أم سيجدونها ركاماً؟ كيف نمضي، وبيننا من خسر، في الحدّ الأدنى، جزءاً من ذاكرته وحياته؟
يحدث كل ذلك بينما يمضي لبنان نحو التفاوض المباشر مع إسرائيل، قبل أن يدفن شهداءه أو ينهي عمليات البحث عن المفقودين. ويحدث أيضاً بينما ننشغل بتبادل الاتهامات بين من "لا يريد الحرب" ومن "اختار فرضها على اللبنانيين"، في وقت تتحرّك فيه الحكومة فقط عندما يصل العدوان إلى قلب العاصمة بيروت، وكأن كلّ ما هو خارج حدودها منفصل عن لبنان "الذي يشبهنا"، أو ذاك الذي "نريده".
وفي خضم هذا الواقع، نتوه في تفاصيل حياتنا اليومية، من دون أن نتوقف لالتقاط أنفاسنا، رغم توالي الضربات. وبين محاولات التكيّف والإنهاك النفسي، أجد نفسي أفكر في التخلي عن العلاج النفسي ومضادات الاكتئاب، واللجوء إلى المطبخ مساحة هروب من مشاهد الجنون الإسرائيلي.
هكذا، لا تعكس رموز الهاتف مجرد تقسيمات جغرافية، بل تختصر واقعاً لبنانياً منقسماً بين عالمين: أحدهما يعيش على إيقاع الحياة، والآخر على وقع الحرب، وأنا، بينهما، أطبخ حروبي.
أخبار ذات صلة.
العلا بطلاً لـ«الكرة الشاطئية للسيدات 2026»
الشرق الأوسط
منذ 12 دقيقة