فلسطين المنسيّة
عربي
منذ 3 ساعات
مشاركة
لنعد إلى تاريخنا القريب، ونُعدّد الاعتداءات الإسرائيلية على بلداننا العربية، سنجد أنّ غالبيتها، حتى اللحظة، كانت قبل قيام حكم الإسلاميين في طهران عام 1979، إثر سقوط نظام الشاه، بعد تخلّي حلفائه الأميركان عنه، حتى أنّهم لم يؤمّنوا له "لجوءاً إنسانياً" في بلادهم بعد هروبه. هاكم بعض تواريخ حروب المدعوّة إسرائيل على بلداننا العربية السابقة للعام 1979. لولا إسرائيل ما كانت هناك حرب 1948، التي نجم عنها قيام دولة الاحتلال على الأرض الفلسطينية، ولا العدوان الثلاثي على مصر 1956، ولا عدوان 1967 والهزيمة الناشئة عنه، ولولا إسرائيل لما اضطر جيشا مصر وسورية بعونٍ من جيوش عربية أخرى خوض حرب 1973، وعندما غزت قوات الاحتلال الإسرائيلي لبنان واجتاحت عاصمته بيروت في العام 1982، لم يكن حزب الله المدعوم إيرانياً قد تكوّن بوصفه تنظيماً عسكرياً، فهدف إسرائيل، يومها، كان استئصال المقاومة الفلسطينية المسلحة من لبنان، وإضعاف الحركة الوطنية فيه، وانتهت تلك الحرب، كما نعلم، بترحيل مقاتلي التنظيمات الفلسطينية من لبنان، واحتلال جنوبه عدّة سنوات متتالية. وللتأريخ، من بدأ المقاومة لإسرائيل لم يكن حزب الله، وإنما جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، التي أسستها التنظيمات اليسارية اللبنانية: الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي، والتي قدّمت شهداء عديدين وأسرى عديدين من أبرزهم المناضلة سها بشارة، المتحدرة من عائلة مسيحية للعلم، ومكثت في الأسر سنوات عديدة، بسبب محاولتها اغتيال قائد المليشيا العميلة لإسرائيل أنطون لحد. لم ينتظر الفلسطينيون ولا فصائل حركة التحرر الوطني العربية قيام الحكم الإسلامي في طهران ليطلقوا كفاحهم في وجه المعتدي الإسرائيلي، ويقدّموا آلافاً من الشهداء والمصابين والمهجرين في سبيل ردع عدوانه. لذا فالمساعي اللئيمة الجارية، منذ سنوات، لجعل الكفاح الوطني الفلسطيني مجرّد تنفيذ للأجندة الإيرانية تجنٍ كبير على هذا الكفاح، واستهانة بتضحيات الفلسطينيين من أجل استعادة أرضهم. التباس ما يُنسب لإيران من دعم للقضية الفلسطينية بأجندات طهران الخاصة بها بوصفها دولةً طامحة لدور إقليمي أضرّ ويضرّ، في كثير من أوجهه، بهذه القضية، وجعلت منه إسرائيل ذريعة لما ترتكبه من فظائع ضد الفلسطينيين على النحو الذي شاهدناه سنوات في قطاع غزّة، وبلغ ذروته في العدوان الوحشي التالي للسابع من أكتوبر (2023)، ولا يمكن القول إنّه قد توقف، وعلى النحو الذي شاهدناه من جرائم إسرائيل ضد المدنيين اللبنانيين الأبرياء، وليس ضد مقاتلي حزب الله وحدهم، ومن بينه العدوان الوحشي على بيروت، قبل أيام، وسقط بسببه نحو 300 شهيد في أقل من ساعة، ناهيك عمّا يفوق ألف مصاب. ولا يمكن أن نغفل عمّا ترتكبه إسرائيل من جرائم في الضفة الغربية مستعينة بعصاباتها من المستوطنين بغية تهويد الضفّة وإعلان ضمّها إلى إسرائيل بتواطؤ مكشوف من إدارة ترامب الذي سبق له أن اعترف بضمّ القدس الشرقية واعتبارها عاصمة لإسرائيل، وكذلك بضمّ الجولان السورية. ما ذُكر أعلاه بديهيات يفترض أن القاصي والداني يعرفها ويُراد لنا نسيانها، فتبدو فلسطين اليوم كأنها تُدفع إلى هامش الذاكرة الإنسانية، لتتحوّل تدريجياً إلى مجرد خلفية، لا تثير الدهشة ولا تستدعي الغضب إلّا على نحو متقطع. كأنّ استمرار الألم أفقده صلاحيته حَدَثاً. وهذا هو الوجه الأشدّ قسوة للنسيان، فمع تراكم الزمن، وتحوّل الصراع إلى حالةٍ مزمنةٍ بدخول اللعبة الإقليمية في المشهد، أصبح العالم يتعامل مع قضية فلسطين، كما لو كانت قدَراً لا يمكن تغييره، مع أن حلّ هذه القضية بإعادة حقوق الفلسطينيين كفيل بنزع فتيل كل التوترات الإقليمية، أو على الأقل أخطرها، ونزع الذرائع من أيدي المستفيدين من استمرار الصراع وتفاقمه، وحقن الكثير من دماء الأبرياء. لا يأتي نسيان القضية الفلسطينية من الخارج فحسب. ثمة نسيان آخر أكثر إيلاماً، يتسلّل من الداخل العربي نفسه. فمع تزاحم الأزمات والحروب الأهلية، تُدفع فلسطين إلى الخلف، لا بوصفها قضية عادلة فقدت مشروعيّتها، بل لأنّها لم تعد "عاجلة" بما يكفي. وهنا تكمن المفارقة: القضية التي كانت معياراً للوعي السياسي والأخلاقي، يحاولون أن يجعلوا منها عبئاً على هذا الوعي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية