عربي
تتمتع إيران بعائدات نفطية قياسية، وبتحصيل رسوم عبور في مضيق هرمز، بعد مرور شهر من الحرب، إلا أن وراء ذلك اقتصاداً يتفكك تدريجياً: صناعات متوقفة، وملايين مهددون بالبطالة، واعتماد متزايد على النفط "الذهب الأسود". ففي نهاية الشهر الأول من الحرب الحالية، يقدّم الاقتصاد الإيراني صورة معقدة تتحدى التقييمات المبكرة التي رجّحت انهياراً سريعاً، لكن الاتجاه العام يبقى واضحاً.
ووفقاًَ لموقع "واي نت غلوبال"، تبدو طهران مستفيدة من ظروف السوق التي سمحت لها بالحفاظ على هامش تنفّس مالي، غير أن نظرة أعمق إلى البيانات الاقتصادية الكلية والجزئية تشير إلى أن هذا ليس سوى بقاء تكتيكي على حساب تدهور استراتيجي. وحين يوفر تدفّق الدولارات من عائدات النفط والسيطرة على مضيق هرمز سيولة فورية، فإن الحرب تقوّض المحركات الحقيقية للاقتصاد الإيراني وتخلق أضراراً تراكمية لن تتمكن حتى العائدات النفطية المرتفعة من إصلاحها.
ومن أكثر عناصر إدارة الأزمة الإيرانية إثارة للانتباه والجدل خلال الشهر الماضي، تحويل مضيق هرمز إلى مصدر مباشر للإيرادات. فوفقاً لتقارير ميدانية، استغلّ النظام الإيراني سيطرته الفعلية على هذا الممر الملاحي الحيوي لفرض رسوم تصل إلى مليوني دولار على كل سفينة مقابل ما يصفه بالمرور الآمن. وولّدت هذه الآلية عشرات ملايين الدولارات من الإيرادات الإضافية في الأسابيع الأخيرة، في محاولة لتحويل النفوذ العسكري إلى أصول اقتصادية سائلة.
غير أن هذه الخطوة تحمل كلفة استراتيجية كبيرة، إذ تعزز صورة إيران كقوة مزعزعة للاستقرار في التجارة العالمية، ما يرجّح أن يردع الاستثمارات طويلة الأجل ويدفع حتى الدول المحايدة إلى البحث عن طرق تجارية بديلة، قد تقلل من أهمية إيران بعد انتهاء الأعمال القتالية.
دفعة من الهند
على صعيد الإيرادات التقليدية، استفادت إيران من حالة عدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية لتعزيز تدفقاتها النقدية. فعشية الحرب، بلغت عائدات النفط نحو 150 مليون دولار يومياً، وتشير بيانات الشهر الماضي إلى أن هذا المستوى لم يُحافَظ عليه فحسب، بل تم تجاوزه قليلاً، رغم بيع النفط الإيراني بخصم. ومع تقديرات الصادرات بنحو 1.8 مليون برميل يومياً في مارس/آذار، وأسعار نفط تتجاوز 100 دولار للبرميل، تتمتع طهران بمستوى من السيولة الدولارية لم تشهده منذ عام 2018.
وشكّل استئناف الهند شراء النفط، بعد سنوات من التوقف وبموجب تخفيف أميركي مؤقت لمدة 30 يوماً، دفعة حاسمة. إذ أفادت وزارة النفط الهندية بعدم وجود صعوبات في تسوية المدفوعات، ما يعكس فعالية آليات إيران للالتفاف على العقوبات. ومع ذلك، تبقى هذه السيولة مرتبطة بظروف الحرب، حيث تُمتص الأموال سريعاً عبر الإدارة المركزية لتأمين الإمدادات المدنية وتمويل المجهود الحربي.
ومنذ اندلاع الحرب، تعمل الحكومة الإيرانية وفق نموذج طوارئ صارم يهدف إلى منع صدمات في السوق المحلية قد تهدد الاستقرار الاجتماعي. وخلال 31 يوماً من القتال، أفادت السلطات بالإفراج عن أدوية ومعدات طبية بقيمة نحو 220 مليون دولار من الجمارك، للحفاظ على مستوى كافٍ من الإمدادات الصحية.
وفي الوقت نفسه، قدّمت الدولة قروضاً مدعومة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في طهران، لتفادي موجة إغلاقات فورية، بحسب موقع "واي نت غلوبال". وتشير قدرة النظام على تحصيل نحو 11 مليار دولار من الضرائب، أي أكثر من 86% من الهدف المحدد في الموازنة، في السنة المنتهية في فبراير/شباط، إلى أن إيران دخلت الصراع ببعض الاحتياطات المالية. غير أن الاعتماد على الضرائب والصادرات غير النفطية، التي بلغت مستوى قياسياً عند 51.6 مليار دولار في العام الماضي، يقترب من حدوده.
فتعطّل طرق التجارة البرية والبحرية بدأ يقلص الإيرادات غير النفطية، ما يزيد من اعتماد البلاد المحفوف بالمخاطر على صادرات النفط الخام. ولفهم خطورة الوضع الحالي، من المفيد العودة إلى حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران، حيث قُدّر عدد العاطلين عن العمل بنحو 650 ألف شخص. وتشير هذه الأرقام، رغم قصر مدة النزاع حينها، إلى حجم الخسائر المحتملة خلال الشهر الماضي، في ظل حرب أوسع وأكثر تدميراً وأطول أمداً.
كما أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الأساسية، مثل مصانع الصلب في أصفهان وخوزستان، تشل قطاعات كاملة توظف ملايين الأشخاص. وفي قطاع البتروكيماويات، وهو مصدر رئيسي للعملة الأجنبية، تتسع الفجوة بين القدرة الإنتاجية والإنتاج الفعلي، نتيجة النقص المزمن في الغاز والاضطرابات التشغيلية. وبالجمع بين الأضرار المادية وبيانات يونيو، يتضح أن إيران تواجه موجة بطالة هيكلية قد تصل إلى الملايين، ما يفرض ضغوطاً كبيرة على الموازنة العامة والاستقرار الاجتماعي.
اقتصاد على أجهزة الإنعاش
تواجه إيران مفارقة اقتصادية أساسية. فمن جهة، تواصل تحقيق إيرادات كبيرة من صادرات النفط والسيطرة على طرق التجارة البحرية. ومن جهة أخرى، تضطر إلى تشغيل الاقتصاد بما يشبه "أجهزة الإنعاش"، عبر الإفراج السريع عن الواردات، ودعم الشركات، والحفاظ بشكل مصطنع على إمدادات الغذاء والدواء.
كما توفر عائدات النفط ومدفوعات هرمز هامش تنفّس تكتيكياً، لكنها لا تستطيع تعويض تدمير القاعدة الصناعية وتآكل رأس المال البشري. فالحرب الاقتصادية هي حرب استنزاف، وفي هذا السياق تخسر إيران أصولها الإنتاجية مع كل يوم يمر. وحتى إذا نجت من الصراع العسكري، فمن المرجح أن تخرج باقتصاد مشلول، وقطاع صناعي معطّل، وسكان أكثر فقراً.
