عربي
في زمن تتنازع فيه السرديات حول التاريخ والذاكرة، تقدّم الباحثة الفرنسية سونيا دايان-هيرتسبرون Sonia Dayan-Herzbrun في كتابها "الصهيونية اختراع أوروبي: نشأة أيديولوجيا" (لوكس إديتور، 2025)، قراءة جذرية لأحد أكثر المفاهيم التباساً في الفكر السياسي المعاصر، داحضةً السردية الأساسية التي قامت عليها الحركة الصهيونية، بالاستناد إلى معطيات تاريخية تمت مقاربتها بموضوعية علمية. من مقدمة الكتاب تعلن المؤلفة عن مشروعها: النظر في حقيقة الأيديولوجيا الصهيونية، جذورها، ونشأتها وتطوّرها وتجلياتها "لأن الأفكار لا تصنع التاريخ، لكن عندما تُسخَّر لخدمة مصالح الأقوى لتمنح المشروعية لمشاريعه، فهي تكتسب فعالية مرعبة". ولا يكتفي الكتاب بتتبّع نشأة الصهيونية بوصفها حركة سياسية، إنما يسعى إلى تفكيك بنيتها الفكرية، كاشفاً عن كونها نتاجاً أوروبيّاً حديثاً تشكّل عند تقاطع القومية والإمبريالية والتأويل الديني، بل يذهب أبعد من ذلك ليبحث في العلاقة الأوروبية-اليهودية منذ القرون الوسطى.
من العداء المسيحي-اليهودي إلى المسيانية
تُبيّن المؤلفة أن عداء المسيحية الأوروبية لليهود متأصل في التاريخ. فقد اعتبر القديس أغسطينوس، في القرن الرابع الميلادي، أن اليهود "شعب منبوذ من الله" "لأن آباءهم صلبوا المسيح". استمرّت هذه النظرة المعادية لليهود في الكنيسة خلال قرون طويلة وساهمت في ظهور أسطورة "اليهودي الشريد"، ومفهوم الشعب الذي "لا أرض له ولا عهد"، وفق جاك بينين بوسويه أحد كبار الوعّاظ الكنسيين خلال القرن السابع عشر. لاحقاً، التصق تمثّل اليهودي في الفكر الأوروبي "بالمنفيّ الذي لا وطن له، وبالمرابي الماكر"، كما أوضح إيمانويل كانط.
الصهيونية حلّ أوروبي للمسألة اليهودية بإطار استعماري
إلا أن التحوّل الكبير في العلاقة مع اليهود حدث في إنكلترا بتأثير اللورد أوليفر كرومويل الذي سمح لليهود سنة 1656 بالعودة إلى إنكلترا التي طُردوا منها سنة 1290. وأقنعه بذلك كاهن وفيلسوف يهودي من أجل المصالحة بين اليهودية والمسيحية تحضيراً لعودة المسيح إلى العالم. في تلك الفترة تمّت ترجمة التوراة من العبرية الى اللغة الإنكليزية، وتزامنت مع إحياء الإيمان بفكرة "أرض التوراة" حيث يظهر المسيح بعودة كل أبناء النبي إسرائيل إلى أرضهم، واعتناقهم المسيحية. وهي الفكرة التي يروّج لها، اليوم، الإنجيليون المتحمسون لنتانياهو وترامب.
الصهيونية المسيحية والتوسع الاستعماري
تضع المؤلفة القارئ أمام مفارقة مركزية: فالصهيونية، التي تُقدَّم عادة باعتبارها امتداداً تاريخياً ودينياً لليهودية، تبدو -عند إخضاعها للتحليل التاريخي- بناءً أيديولوجياً حديثاً نشأ في أوروبا القرن التاسع عشر، في سياق صعود القوميات وتوسّع المشاريع الاستعمارية.
تُظهر هيرتسبرون أن العلاقة التقليدية لليهود بالأرض، قبل العصر الحديث، لم تكن علاقة سياسية أو ترابية بالمعنى القومي، بل كانت في جوهرها رمزية وروحية. غير أنّ هذا المعنى تحوّل تدريجياً في أوروبا الحديثة، حيث أُعيد تأويل النصوص الدينية -خاصة التوراة- بوصفها سنداً تاريخياً لمشروع سياسي. وهنا تكمن إحدى أطروحات الكتاب الأساسية: إن الصهيونية لم تُشتقّ من داخل التقليد اليهودي بقدر ما صيغت في الخارج، داخل فضاء أوروبي كان يعيد تشكيل العالم وفق تصوّراته.
اعتبر هرتزل استيطان فلسطين "تحرّراً" من أوروبا
توضّح المؤلفة أن مفهوم "الأرض الخلاء" الذي أسس للتوسع الإمبريالي، استُغل ليطبّق في فلسطين التي جرى التعامل معها كفضاء قابل لإعادة التشكيل، مع تجاهل وجود سكانها الأصليين. ويعود لهيرتسبرون الفضل في التنقيب عن جذور هذه الفكرة التي تعود إلى إعلان البابا ألكسندر السادس، سنة 1493، شرّع فيه استعمار المناطق التي سوف يُطلق عليها اسم "الأميركيات" (Les Ameriques)، تيمَّناً باسم تاجر ورحالة من فلورنسا هو أميريغو فاسبوتشي الذي يُفترض أنه اكتشف العالم الجديد. وقد أُشير إلى هذه الأراضي آنذاك بعبارة "الأرض الخلاء" (Terra nullius).
وتكشف المؤلفة، عبر تتبّع الخطاب السياسي البريطاني، كيف تداخلت الاعتبارات الدينية مع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية. فقد حاول اللورد هنري بالمسترون، سنة 1840 وكان وزير خارجية بريطانيا العظمى، المركز الأساسي لنشأة الصهيونية، إقناع السلطان العثماني، عبد المجيد الأول، بالسماح لليهود بالعودة إلى فلسطين، متسلحاً بحجج اقتصادية وجيوستراتيجية. فوجود اليهود الذين جمعوا الثروات في أوروبا، يسمح للبلاد التي ستستقبلهم بتحقيق ازدهار اقتصادي، كما يساعد السلطنة على القضاء على محمد علي باشا الذي أخضع سوريا الكبرى (التي كانت تضم فلسطين)، منذ 1830 للسيطرة المصرية.
غير أن الدوافع الحقيقية لوزير خارجية بريطانيا كانت ضمان مصالح بريطانيا عبر إنشاء ما سمّاه "كومنولث يهودي" في فلسطين، وذلك في فترة عرفت صعود الرأسمالية. وقد اختصرت جملته الشهيرة: "بريطانيا ليس لديها أصدقاء أو أعداء دائمين، بل مصالح دائمة" السياسة البريطانية، ولا تزال تتمتع براهنيتها حتى يومنا هذا. هكذا ترسَّخت لدى الساسة البريطانيين في ذلك الوقت قناعة بأن توطين اليهود في فلسطين هو وسيلة لتعزيز نفوذهم في الشرق، وتأمين طُرق التجارة.
هناك حركة يهودية ثالثة ترفض الصهيونية من الأساس انطلاقاً من أن اليهودية دين لا قومية
في هذا المناخ تبلورت الحركة المسماة بـ"الصهيونية المسيحية" التي مزجت بين النزعة المسيانية (المسيحانية) والرؤية الاستعمارية. فقد اعتُبرت "عودة اليهود" إلى فلسطين شرطاً لتحقيق الخلاص الديني، وفي الوقت نفسه وسيلة لخدمة مصالح القوى الأوروبية. بهذا المعنى، لم تكن الصهيونية مشروعاً دينياً خالصاً.
المسألة اليهودية: حلّ لمشكلة أوروبية
تذهب هيرتسبرون أبعد من ذلك، حين تربط بين نشأة الصهيونية وما عُرف في أوروبا بـ"المسألة اليهودية". فمع تصاعد النزعة القومية في أوروبا، وازدياد مظاهر العداء لليهود، برزت الحاجة - في أوساط بعض النخب إلى "حلّ لهذه المسألة". وهنا يظهر تيودور هرتزل، الذي صاغ المشروع الصهيوني السياسي بوصفه حلاً عملياً: إقامة دولة يهودية خارج أوروبا. وقد ركز هرتزل في أدبياته على أهمية الاستيطان، وبناء المستوطنات في فلسطين حيث سيُشكّل اليهود "قومية حديثة ذات توجهات غربية". لكن هذا الحل، كما تبيّن التحليلات، لم يكن منفصلاً عن التصورات الأوروبية ذاتها؛ إذ كان يستجيب - في آن واحد - لرغبة في "تحرير" اليهود ولنزعة ضمنية إلى إبعادهم عن الفضاء الأوروبي.
البعد الإشكالي في الصهيونية
تحوّلت الصهيونية، بهذا المعنى، إلى ما يشبه "تسوية مزدوجة"، فهي تقدّم نفسها مشروعَ تحرّر قومي، لكنها في الوقت ذاته تتقاطع مع منطق استبعادي كان حاضراً في الفكر الأوروبي. بل ثمة مفارقة أكبر تنضوي عليها الأيديولوجيا الصهيونية كونها تجمع بين فكرة القومية، وهي فكرة حديثة، والأسطورة الدينية. فالقومية، بوصفها ظاهرة حديثة، تقوم على مفاهيم الدولة والسيادة والحدود. أما الصهيونية، فهي ترتكز على سردية دينية تعود إلى زمن أسطوري.
هذا المزج أتاح إنتاج خطاب شديد الفاعلية، لكنه في الوقت ذاته يحمل توتراً داخلياً: إذ يجمع بين منطق تاريخي-سياسي ومنطق رمزي-لاهوتي، ما يفتح المجال أمام تأويلات متعددة، بل أمام انقسامات بدأت تظهر بوضوح في الفترة المعاصرة حيث ظهرت تيارات يهودية شديدة التناقض. فإلى جانب الصهيونية اليهودية، والصهيونية المسيانية، هناك حركة يهودية ثالثة ترفض الصهيونية من الأساس كفكرة وحركة قومية، انطلاقاً من أن اليهودية دين، وأن اليهود ليسوا إثنية، ولا قومية.
ولعل الرهان اليوم هو على هذه الحركة الثالثة لكي يحل السلام بين الديانات الإبراهيمية الثلاث، وليتحرّر السياسي من سجن أسطرة التاريخ. فالكتاب لا يقف عند حدود الماضي، بل يفتح أفقاً للتفكير في الحاضر والمستقبل. فإذا كانت الصهيونية نتاجاً تاريخياً محدّداً، وليست قدراً محتوماً، فإن ذلك يتيح إعادة التفكير في البدائل السياسية الممكنة، ويفسح المجال لقراءة التاريخ بعيون تتطلع إلى مستقبل أفضل لشعوب هذه المنطقة من العالم التي لا تزال تتخبط في الصراعات والحروب منذ ما يناهز قريباً المئة عام.
بهذا، تتمثّل أهمية كتاب هيرتسبورن في كونه يدحض السرديات المبسّطة التي تقدّم الصهيونية كحركة طبيعية أو حتمية، ليضعها في إطارالظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية التي نشأت فيها. وهو يُظهر كيف أن ما يبدو بديهياً اليوم هو في الواقع نتيجة مسار معقّد من التشكّل الفكري والسياسي، ويشكّل، بالتالي، مساهمة فكرية مهمّة في تفكيك إحدى أكثر القضايا تعقيداً في عالمنا المعاصر. فهو لا يكتفي بسرد تاريخي، بل يقدّم إطاراً تحليلياً يساعد على فهم كيف تتشكّل الأيديولوجيات، وكيف يتداخل فيها الديني والسياسي والاقتصادي.
* كاتبة وناقدة وأكاديمية لبنانية
