قصّة انتقال لم تكتمل
عربي
منذ ساعة
مشاركة
في كثير من قرى الساحل، عندما يبدأ الحديث عن الماضي، لا يُقال عادة إن التاريخ تبدّل فجأة في منتصف القرن العشرين، إنما تُروى الحكاية بطريقة أبسط بكثير. يبدأ أحد كبار السن بالكلام عن زمنٍ كان فيه الشباب يغادرون قراهم الفقيرة إلى المدن أو إلى الجيش بحثاً عن عمل. لم يكن الأمر مشروعاً سياسياً كبيراً، بل محاولة عادية جداً للهروب من الفقر. هكذا، في كثير من الروايات المحلية، تبدأ قصة علاقة أبناء تلك المناطق بالدولة السورية الحديثة. هذه التفاصيل الصغيرة التي تُروى في المجالس العائلية تكشف جانباً مهماً من التحولات الاجتماعية التي عرفتها سورية خلال القرن الماضي. فالدولة التي تشكّلت بعد الاستقلال لم تكن مجرد مؤسسات سياسية وإدارية، بل كانت أيضاً فضاءً جديداً دخلته فئات اجتماعية كانت تعيش قبل ذلك على هامش الحياة الاقتصادية والسياسية. ومن بين هذه الفئات كان أبناء الطائفة العلوية في مناطق الساحل الجبلية. لقرونٍ طويلة عاش معظمهم في ظروف صعبة في قرى معزولة نسبياً عن مراكز التجارة والتعليم. لم تكن تلك الحال استثناءً في مجتمع ريفي واسع، لكنها تركت أثرها في موقع هذه الجماعة داخلَ البنية الاجتماعية السورية قبل قيامِ الدولة الحديثة. مع توسع مؤسسات الدولة في منتصف القرن العشرين، بدأت معادلة جديدة تتشكل. التعليم الحكومي أصبح متاحاً على نطاق أوسع، والمؤسسة العسكرية تحولت إلى أحد أهم مسارات العمل المستقر في بلد ما يزال اقتصاده محدود الفرص. عند هذا التحول تحديداً وجد كثير من أبناء المناطق الريفية وعلى الخصوص أبناء الساحل السوري فرصة ذهبية للدخول إلى مؤسسات الدولة للمرة الأولى في تاريخ عائلاتهم. هذه النقطة مهمة لفهم طبيعة التحول. فالدخول إلى الدولة لم يكن انتقالاً أيديولوجياً بقدر ما كان انتقالاً اجتماعياً؛ عائلات كانت تعتمد على الزراعة أو الأعمال البسيطة أصبحت خلال جيل واحد ترسل أبناءها إلى المدارس العسكرية والجامعات، ثم إلى الوظائف الحكومية. ويمكن ملاحظة هذا التحول بوضوح في بنية المدن الساحلية نفسها. فمدن مثل طرطوس واللاذقية، شهدت منذ ستينيات وسبعينيات القرن الماضي موجات انتقال واسعة من القرى الجبلية المحيطة. آلاف العائلات انتقلت تدريجياً من اقتصاد القرية المغلق إلى حياة المدينة والعمل في مؤسسات الدولة، أوجد هذا التحوّل طبقة اجتماعية جديدة نسبياً داخل المجتمع المحلي: أبناء ريف أصبحوا جزءاً من جهاز الدولة الحديثة. غير أنّ اختزال هذه التحولات في شعارات سياسية بسيطة لا يساعد كثيراً على فهمها. فالمجتمعات لا تتحرك وفق خطوطٍ مستقيمة. ما يحدث عادة مزيج من الطموحات الفردية، والظروف الاقتصادية، والتحولات السياسية التي تتشابك معاً لتنتج واقعاً أكثر تعقيداً مما يبدو على السطح.  ليست هذه القصة حكراً على سورية، فدول حديثة كثيرة شهدت انتقالات مشابهة، حين فتحت مؤسساتها أبواباً جديدة أمام فئات اجتماعية كانت بعيدة سابقاً عن مركز القرار. لكنّ خصوصية الحالة السورية تكمن في أنّ هذه التحولات حدثت في سياق سياسي شديد الحساسية مما جعل النقاش حولها أكثر توتراً مما كان يمكن أن يكون عليه في ظروف مختلفة. ومع مرور السنوات، تراكمت حول هذه التحولات روايات متباينة. بعضها ركز على جانب الصعود الاجتماعي، وبعضها الآخر ركز على التوترات التي رافقته. وبين الروايتين بقيت تفاصيل كثيرة من الحياة اليومية أقل حضوراً في النقاش العام، رغم أنها قد تكون الأقدر على تفسير ما حدث بالفعل. ربما لهذا السبب تبدو العودة إلى التاريخ الاجتماعي لسورية ضرورية لفهم تعقيدات الحاضر. فالدولة ليست مجرد نظام سياسي، بل هي أيضاً نتاج تحولات اجتماعية طويلة. وقد يكون من المفيد النظر إلى هذه القصة بعيداً عن الاختزال.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية