وطن يبحث عن جيش
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
لم يكن سقوط نظام بشار الأسد مجرّد نهاية نظام أو حزب أو سلطة سياسية، بل لحظة تحوّل عميقة في شكل الدولة السورية ومضمونها، ولحظة تحول مجتمعية كبيرة أيضاً. أحد مظاهر لحظة التحول تلك تمثل في مسارعة السلطة الجديدة إلى إعلان حلّ الجيش السابق، وتشكيل ما سمّته "جيشاً وطنياً" قائماً على التطوع ودمج الفصائل المسلحة.  نظرياً، يبدو الأمر خطوة في الاتجاه الصحيح، نقصد تفكيك مؤسسة ارتبطت بالقمع، واستبدالها بهيكل يفترض أنه أكثر مهنية وتمثيلاً. لكن ما جرى عملياً لم يكن بناءً من الصفر بقدر ما كان إعادة تركيب لقوى الأمر الواقع. فالعمود الفقري لهذا الجيش الجديد تشكّل من فصائل عسكرية ذات خلفيات عقائدية دينية واضحة ومتشابهة، وبعضها الآخر تشكّل خلال سنوات الصراع بوصفها قوى محلية مسلّحة أكثر من كونها نواة لجيش نظامي. ومع غياب عملية دمج حقيقية قائمة على معايير احترافية، بقيت هذه التشكيلات محتفظة بذات الثقافة والخلفية الدينية وبهوياتها الأولى، رغم أنها ارتدت زيّاً عسكريا موحداً. هنا تبدأ المشكلة الفعلية. إذ لا يمكن تجاهل أن الغالبية الساحقة من هذه الفصائل تنحدر من بيئة اجتماعية ومذهبية واحدة، ما يجعل الجيش الجديد، بحكم الواقع، أقرب إلى تمثيل مكوّن بعينه، هو المكون السنّي، وحين يغيب التنوع في مراكز القرار، يصبح السؤال عن الطابع الطائفي للجيش "السوري" سؤالاً مشروعاً. المفارقة أن سورية دفعت ثمناً باهظاً بسبب اختلال التوازن داخل مؤسساتها، وفي مقدّمتها الجيش. النظام السابق واجه اتهامات طويلة بتغليب المكوّن العلوي والأقلوي في المؤسّستين العسكرية والأمنية، ما ساهم في تقويض الثقة الوطنية. واليوم هل نحن ماضون لتكرار ما حصل في الماضي لكن بصورة مقلوبة وتشكيل جيش غير وطني، أو جيش الغالبية، لا جيش الدولة؟  هذا الانطباع الذي يتشكل أو تشكّل عن الجيش "السوري" الجديد، دقيقاً كان بالكامل أم لا، فإنه يحمل تداعياتٍ خطيرة. أولها أنه يعمّق شعور القلق لدى الأقليات، التي قد ترى في المؤسسة العسكرية الجديدة امتداداً لهيمنة من نوع آخر. وثانيها أنه يضعف شرعية الدولة الناشئة، إذ لا يمكن لأي سلطة أن ترسخ استقرارها عبر مؤسسة لا يشعر الجميع أنها تمثلهم. الأخطر من ذلك هو ما يتعلق بالعقيدة العسكرية. فالجيوش لا تُقاس فقط بعديدها وعتادها، بل بطبيعة الولاء الذي يحكمها. وإذا بقيت الروابط الفصائلية أو الدينية الطائفية أقوى من الانتماء الوطني، فإن أي اختبار جدي، سياسي أو أمني، قد يكشف هشاشة هذا البناء، وربما يعيد تفكيكه من الداخل. ثمّة من يراهن على أن الزمن كفيلٌ بتصحيح هذه الاختلالات، وأن دمج المكوّنات سيحدث تدريجياً. لكن التجارب في دول أخرى تُظهر أن الجيوش التي تُبنى على أسس غير متوازنة نادراً ما تنجح في التحول لاحقاً إلى مؤسّسات جامعة، بل غالباً ما تتحول إلى جزء من مشكلة أكبر لاحقاً.  لا تحتاج سورية اليوم فقط إلى جيش جديد، بل إلى فكرة ومفهوم جديدين عن الجيش، مؤسّسة محايدة، مهنية، ومتعدّدة، تعكس حقيقة المجتمع السوري لا اختلالاته وتصدعاته الطائفية، وتكون أداة جمع وإجماع وطني، لا أداة تمايز وتفرقة، وتكون بوتقة تنصه فيها جميع مكونات المجتمع السوري على قاعدة واحدة موحّدة، كما جرى عند تشكيل الجيش بعد الاستقلال. إعادة الاعتبار أو إعادة النظر في تركيبة الجيش الجديد ورفده بعناصر وضباط سابقين محترفين ممن يحتفظون بسيرة شخصية وطنية نزيهة ولم يتورطوا بالقتل والقمع أو الفساد، ربما تكون أحد العلاجات الضرورية للانقسام الطائفي المجتمعي، الذي ترافق مع سقوط النظام السابق وازداد حدة مع وصول سلطة جديدة ذات خلفية دينية. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية