عربي
تبدو انتخابات إقليم أندلوسيا ذي الحكم الذاتي في أقصى جنوب إسبانيا، والتي ستُجرى في 17 مايو/ أيار المقبل، أقرب إلى لحظة سياسية تختصر توازنات بلد بأكمله، من كونها مجرّد استحقاق إقليمي عابر. ففي إقليم يضم نحو 6.8 ملايين ناخب، تتقاطع رهانات السلطة مع أسئلة أعمق تتعلق بمستقبل الحكم في إسبانيا، وباتجاهات السياسة الإسبانية داخلياً وخارجياً.
منذ سنوات، تحوّل إقليم أندلوسيا (أو إقليم الأندلس) إلى ما يشبه "البارومتر السياسي" لإسبانيا. فثقله الديمغرافي، وتاريخه بوصفه قلعة تقليدية لحزب العمال الاشتراكي (PSOE)، ثم انتقاله المفاجئ إلى قبضة اليمين المحافظ في انتخابات 2022، كل ذلك جعل منه مختبراً حقيقياً لقياس التحولات الاجتماعية والسياسية في البلاد. ولذلك، فإن أي نتيجة تصدر من هناك لا تُقرأ محلياً فقط، بل تُفكك فوراً في مدريد وبروكسل على حد سواء.
تفتح المعركة الانتخابية في اندلوسيا تساؤلاً حول قدرة الحزب الشعبي على تجديد أغلبيته في برلمان الإقليم
وتدور المعركة الانتخابية في إقليم أندلوسيا هذا العام، على مستويين متداخلين. الأول محلي، يتمحور حول قدرة رئيس حكومة أندلوسيا، خوان مانويل مورينو، المنتمي إلى الحزب الشعبي (PP) اليميني على تجديد أغلبيته المطلقة أو الاضطرار للعودة إلى معادلة التحالف مع اليمين المتطرف ممثلاً بحزب فوكس. أما المستوى الثاني، وهو الأهم، فيتعلق بمصير رئيس الحكومة الإسباني، بيدرو سانشيز، الذي يدرك أن أي انتكاسة جديدة لحزبه، حزب العمال الاشتراكي، في إقليم أندلوسيا ستُقرأ إشارة ضعف قبل الانتخابات العامة، المقررة في مايو/أيار 2027.
هذا التداخل يجعل من صناديق الاقتراع في إقليم أندلوسيا امتداداً غير مباشر لصراع السلطة في مدريد. فالحزب الاشتراكي لا يخوض المعركة بنَفَس المنتصر، بل بعقلية تقليل الخسائر، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من التمثيل الذي يضمن له التماسك وطنياً. في المقابل، يسعى الحزب الشعبي إلى تثبيت صورة "البديل الطبيعي للحكم"، مستفيداً من سلسلة انتصارات إقليمية سابقة.
من الهيمنة إلى الدفاع
لأكثر من ثلاثة عقود، كان إقليم أندلوسيا مرادفاً للحكم الاشتراكي. غير أن هذه الهيمنة تآكلت تدريجياً، وصولاً إلى لحظة الانكسار في 2018، ثم الهزيمة الثقيلة في 2022، عندما لم يحصد أكثر من 30 نائباً، من أصل 109 مقاعد. اليوم، يبدو الحزب وكأنه يخوض معركة لاستعادة التوازن النفسي قبل السياسي. ترشيح ماريا خيسوس مونتيرو لرئاسة حكومة الإقليم، والتي كانت حتى وقت قريب تشغل منصب النائبة الأولى لرئيس الحكومة ووزيرة المالية في حكومة سانشيز، لا يمكن قراءته إلا قرارا سياسيا كبير الدلالات. فدفع إحدى أبرز وجوه السلطة المركزية إلى واجهة المشهد الأندلسي يعكس محاولة واضحة من الاشتراكيين لاستعادة الوزن السياسي المفقود في إقليم كان تاريخياً معقلهم الأهم.
راهنت قيادة الحزب الاشتراكي على "ثقل الدولة" الذي تمثّله مرشحته ماريا خيسوس مونتيرو
غير أن هذا الخيار يحمل في طيّاته مخاطرة مزدوجة. فمن جهة، تراهن قيادة الحزب على "ثقل الدولة" الذي تمثّله مونتيرو، ومن جهة أخرى على خبرتها في إدارة الملفات المالية المعقدة، خصوصاً في ظل الجدل الدائم حول تمويل الأقاليم والعلاقة مع القوى القومية. وفي هذا السياق يركّز الاشتراكيون على ملف واحد تقريباً: الصحة العامة، وهو ملف شديد الحساسية في إسبانيا، حيث يشكل النظام الصحي أحد أعمدة دولة الرفاه (Welfare State). وقد تحوّل هذا الملف إلى نقطة ضعف بارزة لحكومة مورينو في إقليم أندلوسيا. ويمنح ذلك أملاً لليسار في تعبئة ناخبيه، ولو جزئياً.
تربّص حزب فوكس
على الضفة الأخرى، يعتمد الحزب الشعبي اليميني، الذي حاز بالأغلبية المطلقة في انتخابات 2022، حاصداً 58 نائباً، على قوته التنظيمية، وعلى شخصية زعيمه مورينو في الجنوب. فالرجل نجح في بناء صورة "الحاكم المعتدل"، القادر على جذب أصوات من خارج قاعدته التقليدية، ما يجعل التصويت له أقرب إلى خيار شخصي منه إلى اصطفاف أيديولوجي.
غير أن هذه القوة تحمل مفارقة واضحة، فكلما تعززت شعبية مورينو، تراجع وزن الحزب الشعبي علامةً وطنية، خصوصاً في ظل قيادة تبدو أقل صلابة على المستوى المركزي. بمعنى آخر، النجاح في إقليم أندلوسيا لا يترجم تلقائياً إلى قوة متماسكة في مدريد. في خطابه الانتخابي، يراهن خوان مانويل مورينو على ثنائية "الاستقرار مقابل الفوضى"، في محاولة واضحة لتأطير المعركة باعتبارها خياراً بين حكمٍ مريح بأغلبية مطلقة، أو العودة إلى سيناريوهات التفاوض المعقد مع اليمين المتطرف، ممثلاً بحزب فوكس الذي حصد في الانتخابات الأخيرة 14 مقعداً، في سابقة لم تحصل من قبل في إقليم أندلوسيا. غير أن هذا الخطاب يُقرأ اعترافاً ضمنياً بحجم الرهان، إذ يدرك مورينو أن فقدان الأغلبية سيضعه أمام معادلة سياسية شبيهة بما جرى في قشتالة وليون شمال غرب البلاد، حيث اضطر الحزب الشعبي إلى تقاسم السلطة مع "فوكس" ضمن تحالف لم يخلُ من التوترات والتنازلات.
من هنا، يصبح شعار "الاستقرار" أقرب إلى نداء وقائي موجّه للناخبين الوسطيين والمحافظين على حد سواء، لحثّهم على منحه تفويضاً كافياً يُجنّبه الدخول في مفاوضات قد تُقيّد هامش حركته السياسية وتفرض عليه شريكاً أيديولوجياً حاداً في قضايا حساسة، مثل الهجرة والحقوق الاجتماعية والسياسات الثقافية. لكن المفارقة أن هذا الخطاب قد يأتي بنتائج عكسية، إذ يمنح ناخبي "فوكس" دافعاً إضافياً لتعزيز تمثيلهم، ليس فقط لضمان الحضور، بل لفرض أنفسهم طرفاً لا غنى عنه في تشكيل الحكومة. وبذلك، يجد اليمين المحافظ نفسه أمام معادلة دقيقة، وهي أنه كلما شدّد على مخاطر "الفوضى"، زادت الحاجة عملياً إلى تحقيق أغلبية مريحة، وكلما تراجعت هذه الأغلبية، اقترب أكثر من السيناريو الذي يحاول تفاديه. إنها مفارقة تعكس طبيعة المرحلة السياسية في إسبانيا، حيث لم يعد الفوز الانتخابي كافياً بحد ذاته، بل أصبح مشروطاً بقدرة الفائز على الحكم دون أثمان سياسية مكلفة.
اليسار المشتت
في المقابل، يعاني اليسار خارج الحزب الاشتراكي من تشتت واضح. فالقوى المنضوية تحت مظلة "بور أندالوسيا" أو "أديلانتي أندالوسيا" تخوض الانتخابات وهي مثقلة بخلافات تنظيمية واستراتيجية، ما يقلل من قدرتها على تشكيل كتلة مؤثرة. ويظهر هذا الضعف بوضوح في تمثيلها الحالي داخل البرلمان الأندلسي، إذ لا تتجاوز حصة "بور أندالوسيا" خمسة مقاعد، فيما يقتصر تمثيل "أديلانتي أندالوسيا" على نائبين فقط، بينما يحتاج أي حزب أو تحالف إلى 55 مقعداً لتحقيق الأغلبية المطلقة.
يعكس تشرذم اليسار في أندلوسيا أزمة أعمق على المستوى الوطني في وجه اليمين
يعكس هذا التشرذم ضعف فرص اليسار في إقليم أندلوسيا. كما يعكس أزمة أعمق على المستوى الوطني، حيث لم تنجح محاولات توحيد القوى التقدمية في إنتاج بديل متماسك قادر على منافسة اليمين، ما يجعل من الإقليم نموذجاً مصغّراً لأزمة اليسار الإسباني بأكمله.
انعكاسات خارجية لانتخابات إقليم أندلوسيا
قد يبدو الربط بين انتخابات إقليمية والسياسة الخارجية مبالغاً فيه، لكنه في الحالة الإسبانية يكتسب دلالات خاصة. فاستقرار الحكومة المركزية، وتوازناتها الداخلية، ينعكسان مباشرة على توجهاتها الخارجية. في حال خروج الحزب الاشتراكي ضعيفاً من انتخابات إقليم أندلوسيا فسيجد سانشيز نفسه مضطراً إلى تبني سياسات أكثر حذراً، وربما أكثر انكفاءً، لتفادي مزيد من التآكل الداخلي. قد يؤثر ذلك على عدة ملفات، من بينها العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، حيث تلعب إسبانيا دوراً نشطاً في قضايا الطاقة والهجرة، فأي ضعف حكومي قد يقلل من قدرتها على المبادرة.
كذلك سيؤثر على سياسات الجوار المتوسطي، وخصوصاً مع دول شمال أفريقيا، حيث تحتاج مدريد إلى استقرار سياسي داخلي للحفاظ على توازنات حساسة. والأمر نفسه ينطبق على الموقف من الأزمات الدولية، إذ إن الحكومات الضعيفة تميل عادة إلى تجنب الانخراط القوي في الملفات المعقدة. في المقابل، فإن صعود اليمين، خصوصاً إذا ترافق مع نفوذ أكبر لليمين المتطرف، قد يدفع السياسة الخارجية الإسبانية نحو مواقف أكثر تشدداً في قضايا مثل الهجرة، وربما أكثر تحفظاً في ملفات التعاون الإقليمي. في نهاية المطاف لا تختصر الانتخابات الأندلسية صراعاً على 109 مقاعد في برلمان إقليمي، بل تفتح الباب على مرحلة سياسية جديدة في إسبانيا، فهي إما أن تؤكد صعود اليمين قوة مهيمنة، أو تمنح الاشتراكيين فرصة لالتقاط الأنفاس.

أخبار ذات صلة.
أسواق أوروبا تشكو من زيادة الأسعار
العربي الجديد
منذ 28 دقيقة
ضغوط لرفع العقوبات عن نفط روسيا
العربي الجديد
منذ 59 دقيقة