عربي
لن تغيّر الحرب الأميركية - الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران وجه الشرق الأوسط (كما وعد نتنياهو) فقط، بل العلاقات الدولية بأسرها، ولعلّ المفارقة الرئيسة التي بدأنا نعاينها منذ تولّي ترامب، ووصلت إلى أعلى مستوياتها مع الحرب الحالية، أنّ حلفاء أميركا وأصدقاءها التاريخيين هم الأكثر تضرّراً وتأذّياً وخشيةً من سياسات ترامب، مقارنةً بأعدائه وخصومه الاستراتيجيين مثل الصين وروسيا. لا يقتصر الأمر على الجوانب الاقتصادية، كما الحال في البداية عند إقرار ترامب رفع التعرفة الجمركية على أصدقائه، بل يصل إلى السياسات الدفاعية والعسكرية، وتماسك حلف شمال الأطلسي (ناتو)، والتهديد بضمّ دول كبرى مثل كندا وجزيرة مثل غرينلاند، وصولاً إلى اللغة الاستهزائية الخطيرة التي يستخدمها الرجل (ترامب) في حديثه مع أصدقائه من الزعماء العالميين أو عنهم، كما حدث أكثر من مرّة وتكرّر مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أو رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، أو حتى رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي خلال زيارتها أميركا وتذكيره بما حدث في الحرب العالمية الثانية.
ربما تحقّق هذه الممارسات لترامب مكاسب على المدى القصير، على الصعيدين الاقتصادي والاستراتيجي، كما يلاحظ جيانغ شيويه تشين، وهو أستاذ صيني ومن المتخصّصين الكبار في نظرية اللعبة في العلاقات الدولية، وفي ما يسمّى بالتاريخ التنبؤي، إذ يرى أنّ ترامب مستفيد بصورة كبيرة من أزمة الطاقة العالمية الحالية، والمتضرّر منها الصين واليابان والدول الآسيوية بصورة رئيسة، التي تنافس الولايات المتحدة في الاقتصاد العالمي. وبالرغم من وجاهة هذه النظرة (على المدى القصير) إلا أنّ علماء كباراً في العلاقات الدولية اليوم يرون في رئاسة ترامب نتائجَ كارثية على المدى البعيد على الولايات المتحدة نفسها.
يرى علماء كبار في العلاقات الدولية اليوم في رئاسة ترامب نتائجَ كارثية على المدى البعيد على الولايات المتحدة نفسها
من الضروري هنا الإشارة إلى مقالَين رئيسَين مهمَّين (في العدد الصادر أخيراً من مجلة الشؤون الخارجية الأميركية Foreign Affairs)، الأول لعالم العلاقات الدولية في كلية كندي – جامعة هارفارد ستيفين والتس (Stephen Walts)، والثاني لعالِمَين آخرَين في العلاقات الدولية، ألكسندر كوولي Alexander Cooley (جامعة كولومبيا) ودانيال نيكسون (جامعة جورج تاون)، قدّما مفاهيمَ جديدةً في محاولة تأطير السياسة الخارجية في مرحلة ترامب، بما يتجاوز النظريات المعروفة والتقليدية في العلاقات الدولية، بمعنى أنّ هذا النمط من السياسة الأميركية الذي يمارسه ترامب ليس مسبوقاً، في أكثر من زاوية، على صعيد الرؤساء الأميركيين السابقين. وإنْ على صعيد جزئي يمكن أن نذهب إلى نظريتَين رئيسيتَين في تفسير سلوكه الشخصي: الأولى، نظرية استراتيجية الصراع، أو حافة الهاوية لتوماس شيللينغ (الحاصل على "نوبل")، ونظرية الشيفرة العقائدية (Operational Code)، وهما نظريتان مهمّتان في فهم صنع السياسة الخارجية، لكن على صعيد الديناميكيات والقواعد التي تحكم العلاقات الدولية، بخاصّة القوى الكبُرى، فإنّ ترامب، وفقاً للمقالين، حالة فريدة.
جاء والتس بمفهوم جديد في تعريف سياسة ترامب وسياستها، وهو "الهيمنة الافتراسية" (Predatory Hegemon)، إذ يذهب إلى أنّ السياسة الخارجية لترامب اليوم من الصعب تفسيرها وفهمها من خلال التصنيفات القديمة (الواقعية، القومية، الانعزالية)، بل تحتاج إلى فهم الانتقال من الهيمنة الحميدة التي مارستها الولايات المتحدة خلال العقود السابقة، بخاصة في الحرب الباردة، إلى الهيمنة المتغطرسة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، إلى الهيمنة الافتراسية خلال مرحلة ترامب، والتي تقوم على استخراج أكبر قدر من المكاسب، والتعامل مع العلاقات الدولية لعبة صفرية، والتفكير بالمكاسب العاجلة، الاقتصادية والعسكرية وغيرها، من دون اهتمام بالمنظور بعيد المدى، وبما يمكن أن يحمله هذا من تأزيم وتكسير للنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة نفسها.
إحدى أهم النقاط التي يطرحها المقال أنّ ترامب لا يميّز بين الحلفاء والخصوم، وهو يعيد تعريف العلاقة معهم على قاعدة أنّ الحليف طرف يمكن ابتزازه، والعلاقة معه بمثابة صفقة مالية، بما يؤدّي (كما حدث فعلاً) إلى تآكل الثقة، وتراجع الشرعية الدولية الأميركية، ودفع الحلفاء للبحث عن بدائل لعدم الشعور بالأمن والأمان مع هذه القوة. ومن الإشارات المهمة في المقال أنّ هذا النمط من الهيمنة لا يكتفي بالمصالح والمكاسب المالية، بل يرتبط بأسلوب ترامب وشخصيته ونمط النخبة المحيطة به، واستخدام الإذلال الرمزي (المديح والخضوع) وفرض طقوس الولاء... إلخ. أمّا المقال الثاني لكلّ من كولي ونيكسون، فيطرح مصطلحاً مفتاحياً لفهم إدارة ترامب ومنطق تفكيره، وهو"The Age of Kleptocracy"، إذ جاء المقال بعنوان "عصر الكليبتوقراطية: القوة الجيوسياسية والمكاسب الخاصة"، وتقوم فكرته على أنّ ترامب لا يمكن فهمه بوصفه ليبرالياً أو بوصفه واقعياً تقليدياً، بل يمثل تحوّلاً في منطق القوة نفسها، من إدارة النظام الدولي إلى التعامل معه مساحةً لتقاسم النفوذ وتحقيق مكاسب مباشرة.
حقبة ترامب وسياساته الداخلية والخارجية تمثّل نقطة تحول كبرى عالمية، تتجاوز المستوى العملي
والمقصود بالكليبتوقراطية أن تُستخدم الدولة لخدمة المصالح الخاصّة للنخبة الحاكمة، وهنا يرى الكاتبان (مستخدمين أمثلة ونماذج عديدة) أنّ السياسة الخارجية للولايات المتحدة تحوّلت إلى زيادة ثروة ترامب وتعزيز مكانته الشخصية وإفادة دائرة ضيقة، الحلفاء والعائلة والموالين. ومن أهم معالم هذا النموذج إذابة الفوارق بين مصالح الدولة ومصالح الحاكم، وتفكيك مؤسّسات السياسة الخارجية، ودمج الأمن بالاقتصاد بالدبلوماسية في صفقات ضخمة غامضة ضمن ما يطلق عليه الباحثان مصطلح "Transactional Bundling".
ويقارن الكاتبان بين نظام الكليبتوقراطية والنظام الزبائني (Patrimonial)؛ ففي الثاني يُستخدم الفساد السياسي من الحاكم طريقاً لكسب ولاء النخبة الحاكمة المحيطة به، والتي تمارس معه السلطة، بينما في الأول (الأقرب إلى ترامب) فإنّ الفساد هو الهدف نفسه. وينتهي المقال إلى القول بإعادة تعريف لوظيفة الدولة نفسها من أداة للصالح العام إلى أداة لتوليد الثروة الخاصة، وتصبح السياسة الخارجية أداةً للتعبير عن مصالح من يمسك بالدولة.
في الخلاصة؛ من الواضح أنّ حقبة ترامب وسياساته الداخلية والخارجية تمثّل نقطة تحول كبرى عالمية، تتجاوز المستوى العملي، أي النظام الدولي والعلاقات الدولية، إلى مراجعة النظريات والمقاربات التي تفسّر العلاقات الدولية والسياسات الخارجية، بخاصّة في الولايات المتحدة، إذ نلاحظ ذلك من خلال كمّ كبير من المقالات والدراسات التي بدأ ينشرها علماء في العلاقات الدولية والسياسة المقارنة عن هذا النموذج من الحكم والسياسة، وفي أغلبها تراه من منظور سالب وكارثي.

أخبار ذات صلة.
ضغوط لرفع العقوبات عن نفط روسيا
العربي الجديد
منذ 18 دقيقة
إطلاق سراح مواطن ياباني كان محتجزاً في إيران
الشرق الأوسط
منذ 39 دقيقة