عربي
لم تكن حملة "أوقفوا خطف السوريات" مجرّد استجابة عاطفية لحدث عابر، بقدر ما كانت محاولةً لتحويل فعل اختطاف النساء الذي تلا سقوط نظام الأسد من واقعة قابلة للإنكار إلى ملفّ قابل للمساءلة. وقد ثُبّتت حالات عديدة في سرد قانوني، ونُقلت من مستوى الشهادة الفردية إلى مستوى من القابلية للإثبات أمام الادّعاء العام. وكان الافتراض الضمني لدينا أنّه إذا أمكن إنتاج معرفة دقيقة لهذه الجرائم، فستفرض هذه المعرفة نوعاً من الفعل.
مرّ وقت قبل صدور تحقيق استقصائي في صحيفة نيويورك تايمز الأسبوع الماضي بخصوص الوقائع نفسها المتعلّقة بقصص اختطاف جديدة، وقد كشف حدود الافتراض السابق أنّ المعرفة بالجريمة ستفرض نوعاً من الفعل. فالمسألة لا تتعلّق بنقص الأدلة؛ على العكس، هناك فائض في الشهادات والمؤشّرات، وفي التقاطعات بين المصادر. مع ذلك، لم ينتج من هذا الفائض أيّ أثر رادع. وعند النظر إلى التفاصيل التي كانت تبدو حالات فردية، وعند وضع هذه التفاصيل ضمن سياق أوسع يشمل أسلوب الاختطاف، طرائق التعذيب والإهانة، اللغة الطائفية المستخدَمة في أثناء الجريمة، المسار الذي تسلكه الضحية منذ لحظة الاختطاف حتى ما بعد العودة إن حصلت، لا تبدو هذه العناصر مصادفات بقدر ما تشير إلى بنية إجرامية تعمل بدرجة ما من الاستقرار والهدوء. وما ظهر في الوقائع الموثّقة في التحقيق لم يكن مجرّد تكرار لحوادث متشابهة، بقدر ما شكّلت هذه الانتهاكات فعلاً ممنهجاً متكرّراً بانتظام، وهو نمط إجرامي يمكن توقّع تكراره أكثر منه حادثاً فردياً يمكن عزله.
الخطاب الرسمي سابقاً لم ينشغل بإثبات كلّ حالة أو نفيها بقدر ما كان يعمل على مستوى أعمق بإعادة تأويل الظاهرة فلا تُقرأ اعتداءً، وإنّما سلسلةً من أحداث افتراضية تمرّ بها كلّ حالة، فمنهن من ذهبت مع عشيقها، وغيرها تمتهن الدعارة، وما إلى ذلك ضمن سردية بديلة تجعل الضحية الناجية موضع شكّ وقتل معنوي إضافي، وقد ورد هذا في تقرير سابق لوزارة الداخلية السورية عن أفعال الاختطاف الماضية. أمّا تحقيق "نيويورك تايمز" فقد جاء ردّ وزارة الإعلام السورية أكثر عنفاً على الضحايا وعائلاتهم، وعلينا نحن الذين اشتغلنا في توثيق جرائم الخطف السابقة، فوصفته الوزارة بأنّه "سرد روائي بلا أيّ أدلة".
يتجاهل هذا الردّ من وزارة الإعلام طبيعة المعرفة التي بنيت عليها المحاولات السابقة لتوثيق جرائم الخطف، فلم تكن المواد الموثّقة نصوصاً منقولةً أو روايات فلان عن فلان، وإنّما كانت شهادات حيّة مباشرة جُمعت من نساء تعرّضن للاختطاف والاغتصاب، وعشن العذاب والألم لحظة بعد أخرى، وهذه الحالات مرفقة بتفاصيل زمنية وأماكن وقرائن قوية، وفي بعض الحالات وُجدت تحويلات مالية مرتبطة بطلبات فدية، وفي حالات أخرى آثار وتقارير طبّية ونفسية مثبتة بعد العودة. وبالتالي، وصف أيّ عمل استقصائي بأنّه "سرد روائي" لا يطعن في تحقيق "نيويورك تايمز" فحسب، وإنّما يلغي هذا النوع من المعرفة بالكامل ولا يعترف به، فتفقد محاولات التوثيق كلّها قيمتها. يعيد هذا النوع من الخطاب تعريف الضحية نفسها، بحيث تتحوّل من مصدر مفترض للمعرفة إلى موضع شكّ واتهام. ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن تقرير دولي أو استقصاء صحافي، وإنّما بطبيعة الموقف من هذا النوع من التوثيق. ما جُمع خلال حملة "أوقفوا خطف السوريات" لم يكن قابلاً للاختزال في تفسير واحد أو حالة فردية. كان هناك تعدّد في المصادر، تقاطع الروايات، تكرار الأنماط، وهذه كلّها عناصر تمنح الشهادات ثقلاً يتجاوز الادّعاء. وتجاهل ذلك يخلق فجوة بين المجتمع وما يتعرّض له أفراده. في هذا السياق، يصبح خطاب النفي عاملاً إضافياً في تفكيك المجتمع السوري نفسه. وذلك حين يُرفض الاعتراف وتُسحب الشرعية عن معاناة فئة بعينها وهي هنا تحديداً ومن دون أيّ لبس أو مواربة "معاناة النساء العلويات"، فإنّ هذا الرفض يدفع بهذه الفئة إلى العزلة، ويمنع تشكّل أيّ إدراك مشترك لما يحدُث وسيحدُث. النتيجة لا تقف عند حدود الجدل الإعلامي، بل تمتدّ إلى شكل العلاقة بين مكوّنات المجتمع السوري.
ما يُطرح هنا ليس مسألة رواية مقابل رواية، وإنّما مسألة اعتراف. ما جرى مع هؤلاء النساء ليس نصّاً روائياً قابلاً لإعادة التأويل، إنّها مآس يمكن الوصول إليها وسماعها والتحقّق من آثارها، وإنكار ذلك لن يلغي الألم، ولن يجعل المجتمع أكثر إستقراراً، وإنّما يحدد فقط موقع من ينكر هذه الأفعال ومساهمته في الجريمة ذاتها.
نحن نصدّق الناجيات، وندرك أنّه لا يمكن بناء المجتمعات بالإنكار، وإنّما عبر إدخال الألم في المجال العام بوصفه معرفةً قابلةً للفحص والمساءلة، ومن ثم التعاطف والتعويض. الاعتراف شرط لقيام عدالة ممكنة، ولتأسيس دولة تواجه ما جرى في السنوات الماضية، بدل أن تتركه معلّقاً خارج الوعي الجماعي على أمل أن ينساه الناس، وهو ما لن يحدث.

أخبار ذات صلة.
ضغوط لرفع العقوبات عن نفط روسيا
العربي الجديد
منذ 15 دقيقة
إطلاق سراح مواطن ياباني كان محتجزاً في إيران
الشرق الأوسط
منذ 36 دقيقة