عربي
دونالد ترامب يكذب. ليس ذاك الكذب الذي يرافق عادةً بروباغندا الحروب، ولا الكذب المعقّد الذي يحتاج إلى تفكيك الخطاب لرصده وفهمه، بل كذب مباشر، عشوائي وواضح، بلا أي مجهود لمداراته. يدرك الرئيس الأميركي جيداً أنه في الحروب لا تُستخدم اللغة لوصف الواقع فقط، بل لصناعته. وفي حالة ترامب، تبدو اللغة وكأنها تسبق الوقائع، وتعيد تشكيلها وفق منطق خاص هدفه التأثير، وليس الدقة والأمانة في مخاطبة الرأي العام المحلي والعالمي.
منذ بدء الحرب الأخيرة على إيران، تدفّقت التصريحات المتناقضة: إعلان تدمير كامل للقدرات الإيرانية، يقابله استمرار العمليات وتوسيع الانتشار العسكري، ثم حديث عن حرب تقترب من نهايتها، فيما تتسع جغرافيتها. هذا الاضطراب يمثّل انعكاساً مباشراً لخطاب قائم على التنمّر والمبالغة، وعلى علاقة ملتبسة بالحقيقة.
في المقابل، لم يكن خطاب النظام الإيراني بعيداً عن هذا الإيقاع. شخصيات مثل محمد باقر قاليباف، وقبله علي لاريجاني، استخدمت منصة إكس مساحةً لإعادة صياغة المواجهة بلغة لا تختلف كثيراً في حدّتها واختزالها عن خطاب ترامب نفسه. تغريدات قاليباف، مثلاً، لم تكتفِ بمخاطبة الداخل الإيراني، بل حملت نبرة استعراضية تشدّد على القوة والردع، وتقدّم إيران بوصفها الطرف القادر على فرض قواعد الاشتباك.
وفي الوقت نفسه، لجأ رئيس البرلمان الإيراني إلى التنمّر على الخصم: تارة عبر توصيفهم أتباعاً لرجل الأعمال المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين، وتارة أخرى عبر تحويل منشورات ترامب وتصريحاته إلى مادة هزلية.
استخدمت شخصيات إيرانية لغة ترامب وأسلوبه الشعبوي لمواجهته
سرعان ما لحقت السفارات الإيرانية حول العالم بهذا الإيقاع، فحوّلت منصة إكس إلى ساحة لاستعراض القوة والسخرية من الأميركيين (أكثر من الإسرائيليين)، من خلال الميمز والفيديوهات الساخرة والتغريدات المباشرة.
ما نراه هنا هو تبادل للاتهامات، وأكثر من ذلك: نوع من العدوى الخطابية. يرفع ترامب السقف، فيرتفع معه خطاب خصومه. يبسّط العالم إلى ثنائية صدامية، فتُعاد صياغتها من الطرف الآخر. حتى المبالغة، والكذب الصريح، يصبحان أداة مشتركة: كل طرف يعلن انتصاراته، يقلّل من خسائره، ويقدّم رواية تبدو أحياناً أقرب إلى "الدِّس"، وهو مصطلح من عالم موسيقى الراب، يشير إلى تبادل الإهانات والتنمر بين فنانين، كلٌّ في عمله.
خلال أشهر ولايته الثانية، هاجم ترامب عشرات الأشخاص: رؤساء دول، وحلف الناتو، وإلهان عمر، ورشيدة طليب، وغيرهم، ونادراً ما كان يُواجَه برد مباشر يستخدم لغته التنمرية نفسها. لكن الإيرانيين، ومنذ اللحظة الأولى، دخلوا اللعبة، وقرّروا مجاراة الرئيس الأميركي في ملعبه. حتى وزير الخارجية عباس عراقجي، وهو من أكثر وجوه النظام هدوءاً، استخدم هذا الأسلوب.
هذا التحول لا يمكن فصله عن البيئة التي يُنتج فيها هذا الخطاب: منصات التواصل التي أمست فضاءً لصناعة الرأي العام. في هذا الفضاء، الغلبة للجملة القادرة على الانتشار، وإن كانت أبعد ما يكون عن الدقة. هنا تحديداً يلتقي ترامب مع خصومه، حتى وهم يتواجهون. وقد جاء استحواذ إيلون ماسك على "إكس" عام 2022 ليحوّل المنصة، التي كانت لسنوات المنبر الأكثر رصانة، إلى ساحة للفوضى والأخبار الكاذبة والتشهير والتنمّر. وإن كان ترامب يفضّل استخدام منصته تروث سوشال، فإن الحسابات الأميركية الرسمية لا تزال تعتمد على "إكس" للوصول إلى الجمهور.
لكن لفهم هذه اللحظة، لا بد من العودة إلى البداية. منذ حملته الانتخابية الأولى، لم يكن ترامب مجرد سياسي يستخدم لغة مختلفة، بل كان يعيد تعريف ما تعنيه السياسة نفسها. لغته بسيطة، مباشرة، أقرب إلى الحديث اليومي منها إلى الخطاب الرسمي. وهذه البساطة مدروسة، إذ تمنحه قدرة على الوصول إلى جمهور كبير يشعر أنه يتحدث بلغته.
في الوقت نفسه، تحمل هذه اللغة بنية واضحة: عالم منقسم إلى "نحن" و"هم"، إلى أصدقاء وأعداء، بلا تعقيد في تفسير الأحداث. هذه البنية جعلت من خطابه أداة تعبئة فعّالة، لكنها ألغت أيضاً الكثير من المسافات التي كانت تفصل بين السياسة والانفعال.
في ولايته الأولى، تجلّى هذا الأسلوب في الداخل الأميركي عبر هجوم دائم على الإعلام والخصوم، وحتى مؤسسات الدولة. لكنه سرعان ما انتقل إلى الخارج. في الأمم المتحدة، مثلاً، استعاد مفردات حملته الانتخابية مهدِّداً، وساخراً، ومستخدماً أوصافاً شخصية لقادة دول أخرى. كانت تلك لحظة فارقة، نُقل فيها الخطاب الشعبوي من الداخل إلى المسرح الدولي.
في ولايته الثانية، يبدو أن هذا المسار قد تعمّق. الحرب على إيران تقدّم مثالاً واضحاً: فإلى جانب المبالغة والتهويل، أمسى الأمر يتعلّق بتقديم روايات متناقضة عن الحرب نفسها وأسبابها ومسارها، وحتى نتائجها.
المشكلة هنا تكمن بتأثير هذه التصريحات التراكمي. حين يتكرر هذا النمط، يصبح الجمهور أقل حساسية للتناقض. تتآكل فكرة الحقيقة نفسها، ويصبح التمييز بين الواقع والرواية أصعب. وفي الوقت نفسه، يجد الخصوم أنفسهم مضطرين إلى الرد ضمن الإطار نفسه، ما يرسّخ النموذج بدلاً من تفكيكه.
هنا تكمن المفارقة: خطاب ترامب، الذي قُدِّم في البداية بوصفه ظاهرة خاصة بالسياسة الأميركية، يتحول إلى نموذج يُعاد إنتاجه في سياقات مختلفة. حتى النظام الإيراني، رغم اختلافه الأيديولوجي، يتبنى بعض أدواته.

أخبار ذات صلة.
البحرين تضبط متهمين بالتخابر مع إيران
الشرق الأوسط
منذ 9 دقائق
أميركا تمنع استهداف معبر المصنع
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة
ظهر المهراز… قلعة الحب والحلم والعلم
العربي الجديد
منذ 15 دقيقة