شبكات الظل.. كيف حوّلت مليشيا الحوثي المخدرات إلى وقود للحرب وأداة لتفكيك المجتمع؟
حزبي
منذ 4 ساعات
مشاركة

 

 

كشفت دراسة حديثة صادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية عن تحولات عميقة في بُنية تجارة المخدرات في مناطق سيطرةمليشيا الحوثي، إذ لم تعد مجرد ممرات عبور للمخدرات نحو دول الجوار، بل باتت فضاءات لإعادة التوطين والإنتاج والخلط والتوزيع.

 

وتوضح الدراسة أن المليشيا طوّرت نموذجاً متكاملاً للاقتصاد غير المشروع، يقوم على توظيف المخدرات كمصدر تمويل رئيسي للعمليات العسكرية، بالتوازي مع استخدامها كأداة لإضعاف المجتمع، وتفكيك بنيته القيمية، وتعزيز السيطرة على السكان في مناطق نفوذها.

 

كما ترصد الدراسة ارتباط هذه الأنشطة بشبكات إقليمية ودولية، ضمن استراتيجية أوسع لتوظيف الاقتصاد الأسود في دعم الجماعات المسلحة، مع تصاعد مؤشرات توطين إنتاج المخدرات داخل اليمن، وتحول البلاد إلى مركز محتمل للتصنيع والتهريب العابر للحدود.

 

وتحذر من التداعيات الخطيرة لهذا التحول، سواء على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي داخل اليمن، أو على مستوى الأمن الإقليمي، في ظل تنامي شبكات الجريمة المنظمة، واتساع استخدام المخدرات كسلاح مركب لإدامة الصراع وتعميق الأزمة الإنسانية.

 

ركيزة لاقتصاد الحرب

 

تكشف المعطيات الميدانية عن تحوّل تجارة المخدرات في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي من نشاط تهريبي محدود إلى استراتيجية اقتصادية ممنهجة، تُستخدم عوائدها في تمويل العمليات العسكرية، وشراء الأسلحة، وتغطية النفقات التشغيلية، بما يعزز استدامة اقتصاد الحرب.

 

وأوضحت الدراسة أن المليشيا لا تكتفي بتوظيف المخدرات كمصدر تمويل، بل تستخدمها كأداة لتفكيك البنية المجتمعية، عبر استهداف فئة الشباب والمقاتلين، بهدف تغييب الوعي وإضعاف روح المقاومة، وفرض حالة من التبعية القسرية داخل مناطق سيطرتها.

 

وفي هذا السياق، تشير تقارير حقوقية إلى لجوء الحوثيين إلى استخدام شركات أدوية محلية وصيدليات خاصة كواجهات لتمرير وتصنيع مواد مخدرة، بينها حبوب الكبتاجون والحشيش، عبر تصاريح مزيفة، ضمن شبكة منظمة تخضع لإشراف قيادات نافذة في الجماعة.

 

كما تربط الدراسة تصاعد معدلات الإدمان في صفوف المقاتلين ببرامج تعبئة عسكرية ممنهجة، تستهدف إلغاء الخوف وتعزيز السلوك العدواني، وتحويل المقاتلين إلى أدوات فاقدة الإرادة، في مؤشر خطير على توظيف المخدرات كوسيلة للسيطرة وإدارة العنف.

 

نشاط منظم ومركزي

 

تكشف الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي تتم بسرية عالية وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول، ما يعكس تحولها إلى نشاط منظم ومركزي، مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية.

 

وتربط تقارير دولية بين هذه الأنشطة والاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، حيث تُستخدم شبكات المخدرات كأداة لتمويل الحلفاء، وفي مقدمتهم الحوثيون، الذين يعتمدون على العائدات غير المشروعة لشراء الأسلحة وتمويل العمليات العسكرية وتعزيز أنشطتهم العدائية.

 

وتشير الدراسة إلى أن جزءاً من شحنات المخدرات يُعاد توجيهه نحو المملكة العربية السعودية عبر شبكات تهريب مرتبطة تنظيمياً بالمليشيا، تنشط في المناطق الحدودية، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية لمحافظة صعدة كمركز رئيسي لتلك العمليات.

 

وفي السياق ذاته، يؤكد تقرير فريق خبراء مجلس الأمن أن المليشيا طورت شبكات مالية غير مشروعة، يأتي في مقدمتها الاتجار بالمخدرات، إلى جانب الجبايات والنهب، بما يشكل منظومة اقتصادية قائمة على الجريمة المنظمة، تسهم في تمويل الحرب وإطالة أمد الصراع.

 

توطين اقتصاد المخدرات

 

تُظهر الدراسة أن مليشيا الحوثي اتجهت إلى تبني تجارة المخدرات كأداة تمويل بديلة، مستفيدة من تطور أساليب الجماعات الإجرامية في تكثيف الإنتاج، وإخفاء المواد كيميائياً، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة لتأمين الاتصالات وتوسيع شبكات التهريب والتوزيع.

 

وتربط المعطيات بين هذا التوجه وتجارب إقليمية مماثلة في سوريا ولبنان، حيث تُدر تجارة الكبتاجون مليارات الدولارات سنوياً، ما يجعلها مصدراً رئيسياً لتمويل النزاعات، ويعزز العلاقة المباشرة بين تصاعد العوائد غير المشروعة وتنامي القدرات العسكرية للمليشيات المسلحة.

 

وفي هذا السياق، تشير تقارير ميدانية إلى شروع الحوثيين في إنتاج المخدرات محلياً داخل اليمن، مستفيدين من تراجع مراكز الإنتاج التقليدية في المنطقة، ومن الطبيعة الجغرافية الهشة للحدود، وضعف مؤسسات الدولة، ووجود سوق خليجي نشط يوفر طلباً مستمراً ومربحاً.

 

وتؤكد الدراسة أن اليمن لم يعد مجرد ممر لتهريب المخدرات، بل يتجه ليكون مركزاً ناشئاً لتصنيع الكبتاجون، خاصة في مناطق الصراع، في تحول يعكس استجابة المليشيا للفراغ الإقليمي الذي خلفه سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وسعيها لاقتناص فرص الاقتصاد غير المشروع.

 

كما تدعم الوقائع الميدانية هذا التحول، مع تسجيل ضبط مختبرات وأعداد كبيرة من أقراص الكبتاجون داخل البلاد، وارتفاع ملحوظ في المضبوطات خلال عام 2025، ما يشير إلى توسع النشاط التصنيعي وازدياد حجم الشبكات المرتبطة به.

 

وتكشف الدراسة أن هذه العوائد تُستخدم بشكل مباشر في تمويل العمليات العسكرية، ودفع رواتب المقاتلين، وتعزيز القدرات التنظيمية، بما يعكس انتقال الجماعة نحو نموذج اقتصادي قائم على الجريمة المنظمة، يقلل اعتمادها على الدعم الخارجي ويضمن استدامة الصراع.

 

مسارات عابرة للحدود

 

تُبرز الدراسة محافظة صعدة كحلقة محورية في شبكات تهريب المخدرات، حيث تحولت إلى ممر رئيسي لتدفق الحشيش والكبتاجون نحو السعودية، في ظل سيطرة مليشيا الحوثي، رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي تفرضها ظاهرياً على الحركة داخل المحافظة.

 

وتكشف عن مفارقة لافتة، إذ تعمل شبكات التهريب بانسيابية داخل صعدة، ما يعكس ازدواجية واضحة بين خطاب الحوثيين المعلن بشأن مكافحة المخدرات، وممارساتهم الفعلية التي تسمح بإدارة هذا النشاط وتوظيفه ضمن اقتصادهم غير المشروع.

 

وتشير المعطيات إلى أن المناطق الحدودية في صعدة تحولت إلى بؤر للجريمة المنظمة، تشمل تهريب البشر وتوطين عصابات أفريقية، تعمل ضمن شبكات تحظى بالحماية، ما يعكس ترابطاً بين الأنشطة الإجرامية والاقتصاد الموازي الذي تديره الجماعة.

 

وتؤكد البيانات الأمنية تصاعد حجم الشحنات المهربة، مع إحباط محاولات لتهريب أطنان من الحشيش وملايين الحبوب المخدرة نحو السعودية خلال 2025، ما يكشف عن شبكات واسعة النطاق مرتبطة بالمليشيا وتعمل عبر الحدود بقدرات تنظيمية عالية.

 

وفيما تتعدد مسارات التهريب، توضح الدراسة أن الشحنات تصل عبر المنافذ البحرية المرتبطة بإيران، ثم تُنقل بوسائل محلية، أو عبر المسارات البرية من صعدة نحو الحدود السعودية، باستخدام شبكات نقل تقليدية مدعومة بتسهيلات ميدانية.

 

كما تبيّن تورط قيادات حوثية في تسهيل مرور الشحنات مقابل عوائد مالية، بالتزامن مع بروز مؤشرات اقتصادية مريبة في صعدة، كارتفاع العقارات وانتشار محلات الصرافة، ما يعكس تحوّل المخدرات إلى رافد مالي رئيسي داخل بنية الجماعة.

 

زراعة المخدرات وتوظيفها

 

تكشف الدراسة عن لجوء مليشيا الحوثي إلى تحويل مساحات زراعية في محافظتي صعدة والجوف إلى مزارع لإنتاج الحشيش، ضمن خطة منظمة لتمويل أنشطتها العسكرية، عبر السيطرة على الأراضي وفرض إجراءات أمنية مشددة تمنع الاقتراب منها.

 

وتشير شهادات قبلية إلى أن الجماعة تعتمد على شراء الأراضي ونقل التربة إليها وتهيئتها للزراعة، قبل تسويرها وتحصينها بالكامل، وفرض حراسة دائمة، في مؤشر على إدارة منظمة وممنهجة لهذا النشاط غير المشروع بعيداً عن أعين السكان المحليين.

 

وتدار هذه المزارع تحت إشراف خبراء مجهولي الهوية، ما يعكس وجود دعم فني خارجي، ويؤكد أن النشاط يتجاوز كونه محلياً ليأخذ طابعاً عابراً للحدود، مرتبطاً بشبكات تهريب وإنتاج تخدم أهدافاً تمويلية وعسكرية للجماعة.

 

وتوضح الدراسة أن هذه الأنشطة أسهمت في خلق بيئة آمنة لتجار المخدرات داخل مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يتم الإفراج عن المروجين وتوفير الحماية لهم، بما يعكس اندماج تجارة المخدرات ضمن بنية الاقتصاد غير المشروع للجماعة.

 

وفي السياق الاجتماعي، تحولت المخدرات إلى أداة لتفكيك المجتمع، حيث ساهم انتشارها في تفكك الأسر وارتفاع معدلات العنف الأسري وجرائم قتل الأقارب، إلى جانب تآكل المنظومة القيمية، في تحولات غير مسبوقة في المجتمع اليمني منذ انقلاب 2014.

 

كما تستخدم المليشيا المخدرات كوسيلة للسيطرة والتجنيد القسري، خاصة بحق الأطفال، عبر إخضاعهم للتعاطي القسري، ما يحولهم إلى أدوات قتالية فاقدة الإرادة، في انتهاك جسيم للقوانين الدولية، ويكشف عن توظيف المخدرات كسلاح مركب في إدارة الصراع.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية