عربي
يتفق المؤرخون على أن مصممة الأزياء الفرنسية الرائدة كوكو شانيل كانت على صلة بمسؤولين نازيين، وسَعَت إلى الاستفادة من سياساتهم، لكن مدى عملها الاستخباراتي والتزامها الأيديولوجي بالنازية لا يزال محل نقاش، فهل بلغت بها هذه الصلة حد التحوّل إلى جاسوسة نازية؟
وُلدت كوكو شانيل في 19 أغسطس/آب 1883 في سومور الفرنسية، وتُوفيت في 10 يناير/كانون الثاني 1971 في باريس، وهي مصممة أزياء فرنسية سيطرت على عالم الأزياء الراقية في باريس لما يقرب من ستة عقود. وشجّعت تصاميمها الأنيقة والبسيطة النساء على التخلي عن الملابس المعقدة وغير المريحة التي كانت سائدة في أوائل القرن العشرين، بما في ذلك التنورات الداخلية والمشدّات. ومن بين ابتكاراتها، التي باتت من الكلاسيكيات الآن، بدلة شانيل والحقيبة المبطنة والمجوهرات التقليدية و"الفستان الأسود القصير".
وخلال الاحتلال الألماني لباريس بين 1940 و1944، أقامت كوكو شانيل في فندق ريتز، حيث بدأت علاقة مع هانز غونتر فون دينكلاج، الدبلوماسي والجاسوس الألماني في جهاز الاستخبارات العسكرية الألمانية. وقد مكّنها منصبها من أن تكون موجودة في الأوساط الاجتماعية للسلطات الألمانية، وربما استغلت علاقاتها لتأمين إطلاق سراح ابن أخيها، أندريه بالاس.
وأُطلق سراح بالاس، الجندي الفرنسي المحتجز في معسكر اعتقال ألماني، في نفس الوقت تقريباً الذي يُزعم أن شانيل سافرت فيه إلى إسبانيا برفقة عملاء استخبارات ألمان في محاولة لتجنيد جواسيس. ودفعت هذه الأحداث بعض الباحثين إلى اقتراح أن شانيل قد تعاونت مع المخابرات الألمانية، على الرغم من أن الأدلة المتاحة لا تُثبت بشكل قاطع ما إذا كانت أفعالها تُشكل تجسّساً متعمداً أم تعاوناً انتهازياً سهّلته علاقات شخصية.
وسافرت شانيل إلى مدريد عام 1943 مع دينكلاج وصديقتها فيرا باتي لومباردي، وهي أرستقراطية إنكليزية تعيش في إيطاليا. وعُرفت هذه العملية باسم "عملية موديلهوت" (قبعة العارضة)، وقد نظمتها المخابرات الألمانية في محاولة لاستغلال علاقات كوكو شانيل ولومباردي الاجتماعية برئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشرشل، لفتح قناة اتصال سرية لمفاوضات سلام محتملة بين ألمانيا النازية وبريطانيا. لكنّ هذه الجهود باءت بالفشل عندما أبلغت لومباردي السلطات البريطانية في مدريد بالخطة. وكثيراً ما يفسر المؤرخون هذه الحادثة على أنها محاولة دبلوماسية مرتجلة لاستكشاف سبل غير رسمية للتفاوض، مع تزايد حدة الحرب ضد النظام الألماني، لا مهمة تجسّس تقليدية.
كما يوجد اختلاف بين الباحثين حول موقف شانيل الأيديولوجي من النازية. فخلال الحرب، حاولت استخدام السياسات النازية لانتزاع السيطرة الكاملة على شركة العطور المسؤولة عن إنتاج عطر "شانيل رقم 5" من شركائها اليهود، الأخوين بيير وبول فيرتهايمر، وزعمت شانيل أن القوانين تحرم عائلة فيرتهايمر من امتلاك العقارات. إلا أن محاولتها باءت بالفشل في نهاية المطاف لأن عائلة فيرتهايمر كانت قد نقلت ملكيتها سابقاً إلى شريك غير يهودي. وتنقل موسوعة بريتانيكا عن مؤرخين عدة أن هذه القضية تُظهر استعداد كوكو شانيل لاستغلال الثغرات القانونية والاقتصادية للاحتلال لتحقيق مكاسب شخصية، حتى وإن لم يُظهر ذلك بالضرورة التزاماً سياسياً أوسع بالأيديولوجية النازية.
