عبد الرحيم الخصار: ترويض الذاكرة في "أَلزهايمر يا أبي"
عربي
منذ ساعة
مشاركة
مرض الأب ليس أكثر من مدخل لاستعادته في ديوان الشاعر والكاتب المغربي عبد الرحيم الخصّار "ألزهايمر يا أبي" (دار العين، 2026). وهي استعادة تعيد بناء حضور الأب في صور من يوميّاته في الريف، وحيث الشعر لحاق بأثر يُمحى أمام الشاعر، خصوصاً أن القصائد كُتبت خلال السنوات الخمس الأخيرة من حياة الأب، وقد عاشها داخل ما يسمّيه الخصّار في تصدير الكتاب "ضباب ألزهايمر".  منذ المدخل تتّضح طبيعة النصوص التي سيُقبل عليها القارئ؛ فالقصائد، بحسب الشاعر، من الأب وإليه. وهو تصدير آخر يحدّد أفق القصائد، ليست رثاءً، إنّما مداراة، ومحاولة استبقاء، ووداع واعٍ، متقطّع وبطيء، يجعل منه الخصّار مادة للتذكّر والاحتفاء الحميم. وكأن الديوان، في مجمله، مقارعة حيّة لذلك النسيان الحتمي الذي سيُغلق على الأب بالموت. تنشغل القصائد بإعادة الأب إلى العالم، عبر تصوير كلّ ما صنع حضوره: أعماله وأشياؤه وأدواره المختلفة، في نصوص تتوالى لترسم صورة الفلّاح، وصاحب اليد الخشنة، والرجل الآتي من الجنوب الأمازيغي، المحاط بالحقول والدواب والنحاس والبارود والبيوت الطينية و"أثقال التعب". وفي هذه التفاصيل، يتشكّل عالم القرية أيضاً، جزءاً من عالمِ الطفولة. كذلك مع حضور المرض، تبقى السيرة متقدّمة عليه، إذ تظهر اليوميّات ومشقّاتها أولويةً في القصائد، لولا أن عنوان الكتاب يذكّر القارئ بأن النصوص كلّها مشغولة بهاجس النسيان، وأن هذه المشاهد ليست سوى محاولة لإنقاذ عالم الأب ومفرداته من التبدّد، فالذاكرة تُمحَى. القصائد سجال بين قيمتين متقابلتين هما الذاكرة والنسيان لكن، مع تقدّم السيرة، يظلّ النسيان حاضراً، وهو نسيان يغلّف القصائد ويستوعبها، ويتسرّب إلى تعبيراتٍ، تضمّ ذلك الرجل المتقدّم ببطء نحو الشيخوخة التي تظلّل التجربة كلّها. حتى إن النسيان يظهر لصيقاً بالمكان، كما في قوله: "مثل بومٍ هرم/ يجثو النسيان على الأباجور/ ينفض الغبار عن جناحيه/ ويرنو خارج النافذة". فالنسيان أكثر من شأن ينطوي عليه الجسد، إنّه ثيمة يصدّرها المكان، وبدا أنَّها تفيضُ عن الجسد نفسه.  القصائد سجال بين قيمتين يعرضهما متقابلتين في سؤال: "أيّهما أقسى، أن تتذكّر أم أن تنسى؟". كما يظلّ السؤال مفتوحاً في القصائد، من دون حسم، حتى إن النسيان الذي يخرج من النوافذ في موضع من الكتاب، يظهر في الخاتمة بصورة مناقضة: "أقول أبي فتجثم عقبان على كتفي/ وينبت العشب على خشب النوافذ"، وكأن ذكرى الأب، المرتبطة بالريف، بنت أعشاشها في حياة الابن أخيراً. يقدّم الخصار صورة قوية عن حالة الأب الذي لم يكن "قطباً أو دليل أحد"، لكن كان جدار الشاعر، هو الذي كان يعمل صانع بنادق "التبوريدة" فيرثيه: "كنتَ ترفعُ كفّيكَ إلى السماء/ ولا يسقط فيهما إلّا غبار السقف". عبد الرحيم الخصّار شاعر وكاتب مغربي، صدرت له مجموعات شعرية عدّة، منها: "أنظر وأكتفي بالنظر" و"العزلة فرد من العائلة"، و"بيت بعيد"، و"عودة آدم". كما صدرت له رواية "جزيرة البكاء الطويل"، وله كتاب في الرحلة، إضافة إلى مختارات شعرية، ومؤلفات مشتركة. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية