سامية حلبي في توثيق بصري لمجزرة كفر قاسم
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
على عتبة السبعين عاماً من ذكرى مجزرة كفر قاسم، التي تعدّ علامة فارقة في سجلّ النكبة المستمرّة، يأتي كتاب الفنانة الفلسطينية سامية حلبي "مجزرة كفر قاسم 1956" (مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2026) جامعاً ما بين التوثيق التاريخي والفن. عبر منهجية بحثية دقيقة استغرقت عقوداً، تمكنت حلبي من تحويل الروايات الشفوية والذاكرة المبعثرة إلى نص تصويري مكثف، يعيد تجسيد اللحظات الأخيرة للشهداء. يضعنا الكتاب أمام مواجهة مباشرة مع التاريخ، مُحوّلاً الفن إلى أداة سيادية، إن جاز التعبير، ويستند بوصفه مشروعاً توثيقياً طويل النفس، إلى خبرة صاحبته الفنية ورؤيتها الفكرية. وقعت المذبحة في مساء 29 أكتوبر/تشرين الأول 1956، حين شهدت بلدة كفر قاسم إطلاق نار منظماً نفذته القوات الإسرائيلية، بالتزامن مع العدوان الثلاثي على مصر، مستهدفة عمّالاً مدنيين عادوا إلى منازلهم دون علم مسبق بحظر التجول الذي فُرض فجأة، ما أدى إلى سقوط 49 شهيداً وعشرات الجرحى، بينهم نساء وأطفال. جزء من مشروع أوسع حول المذبحة يعود إلى أواخر التسعينيات تقرأ حلبي المجزرة ضمن سياق أوسع من الممارسات الاستعمارية في فلسطين، حيث يُعاد تقديمها باعتبارها جزءاً من نمط متكرر من العنف المنهجي. وفي هذا الإطار، تنخرط حلبي في قراءة الحدث عبر تحويله إلى سلسلة بصرية من اللوحات التي أطلقت عليها "موجات القتل التسعة"، محاولةً تفكيك اللحظة إلى مراحلها المتتابعة، وإعادة تركيبها فنّياً بما يتيح للقارئ/المشاهد إدراك تدرّج الجريمة وتفاصيلها الدقيقة. اعتمدت حلبي في إنجاز عملها على منهجية بحثية دقيقة جمعت فيها بين التوثيق الميداني والشهادات الشفوية، حيث زارت كفر قاسم مراراً، واطّلعت على أماكن وقوع المجزرة، وتحدثت مع ناجين وشهود عيان، مستندة إلى عشرات الشهادات التي شكّلت المادة الأساسية التي بُنيت عليها اللوحات. وقد استغرق تنفيذ المشروع سنوات طويلة تعود إلى أواخر التسعينيات، تخللتها أعمال موازية، من بينها إعداد منصة إلكترونية في الذكرى الخمسين، وعرض الأعمال في فلسطين وخارجها، إضافة إلى كتابة شروحات تفصيلية مرافقة للأعمال الفنية تساعد القارئ على فهم السياق التاريخي والبصري لكل لوحة. تميّزت اللوحات بأنها استندت إلى الذاكرة والصور الفوتوغرافية المتاحة، ما منحها طابعاً تأويلياً يمزج بين الدقة التوثيقية والانطباع الفني. كما شكّلت هذه الأعمال محاولة لإعادة استحضار تفاصيل اللحظات الأخيرة للضحايا، وتوثيق هيئة الجنود، وأدوات القتل، وتكوين المشهد العام، بما يعبّر عن رؤية بصرية تسعى إلى الإمساك بالحدث في أقصى درجات تكثيفه الإنساني. ولا ينفصل هذا العمل عن سيرة حلبي الفنية، فهي فنانة تجريدية وُلدت في القدس عام 1936، وتمتد تجربتها عبر عقود من الاشتغال على العلاقة بين الشكل والمعنى، مستلهمة من تحولات الفن العالمي ومن عناصر الطبيعة والمعمار، وهو ما انعكس في قدرتها على تحويل الحدث التاريخي إلى بنية بصرية تحمل بعداً توثيقياً وتأويلياً في آن واحد. 

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية