صدمات الطاقة تعمّق أزمة ثقة الاحتياطي الفيدرالي
عربي
منذ يومين
مشاركة
يبدو أن موجة جديدة من التضخم في الولايات المتحدة تلوح في الأفق، قبل أن يتمكن الاحتياطي الفيدرالي من احتواء آثار الموجة السابقة بشكل كامل. ومع تصاعد الحرب على إيران وارتفاع تكاليف الوقود، تتزايد المخاوف من انعكاسات مباشرة على الداخل الأميركي، حيث يتوقع المستهلكون والمتعاملون في أسواق السندات والاقتصاديون ارتفاعاً في الأسعار خلال العام المقبل. وقبل حتى تأثير صدمة الطاقة الحالية، كانت مصداقية البنك المركزي في مكافحة التضخم محل تساؤل، خصوصاً مع توجهات الرئيس دونالد ترامب نحو تعيين رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي يتبنى سياسة نقدية أكثر تيسيراً. قد تؤدي صدمة أسعار النفط إلى تأجيل تحقيق هدف التضخم البالغ 2%، في وقت تتراجع فيه ثقة الأسواق بقدرة الاحتياطي الفيدرالي على إعلان تحقيق المهمة. فمنذ نحو خمس سنوات، يواجه الاقتصاد الأميركي سلسلة متواصلة من الصدمات، بدأت بجائحة كورونا، مرورًا بالحرب في أوكرانيا، ثم الرسوم الجمركية، وصولاً إلى الحرب في إيران. ورغم أن كل صدمة تبدو منفردة حدثاً مؤقتاً، يعزز تراكمها الشكوك حول إمكانية العودة إلى استقرار الأسعار في الأجل الطويل، الذي طالما راهن عليه المستثمرون والاقتصاديون. وفي السياق، يحذر إيثان هاريس الرئيس السابق للأبحاث الاقتصادية العالمية في بنك أوف أميركا سيكيوريتيز لـ"بلومبيرغ" من أن صدمة نفطية جديدة قد تمثل القشة التي تقصم ظهر البعير، موضحاً أن استمرار التضخم المرتفع لسنوات، ثم مواجهته بموجة جديدة، لو كانت قصيرة، قد يرسخ قناعة لدى الأميركيين بأن التضخم المرتفع أصبح واقعاً دائماً. شكوك حول الالتزام بهدف التضخم خلال الأشهر الماضية، رصد مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي تزايد التساؤلات بشأن مدى التزامهم الفعلي بهدف التضخم. فقد أشارت بيث هاماك، رئيسة الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، إلى نقاشات في الأسواق تشكك في احتمال قبول البنك بمعدلات تضخم قريبة من 3%، مؤكدة أن العودة إلى 2% ضرورية للحفاظ على المصداقية. وفي يناير/كانون الثاني، وصف جون ويليامز، رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، هدف السيطرة على التضخم بأنه واقعي تماماً، رغم التوقعات التي ترجح تأخر بلوغه حتى عام 2027، بحسب "بلومبيرغ". ومن المنتظر أن يتحمل كيفن وارش، المرشح لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، دوراً محورياً  في تعزيز هذه الرسالة، خلفأً لجيروم باول، مع ضرورة إقناع الأسواق باستقلاليته عن الضغوط السياسية الداعية إلى خفض أسعار الفائدة. رغم تراجع معدلات التضخم من ذروتها التي تجاوزت 7% بعد جائحة كورونا، لا تزال قريبة من 3%، وهو مستوى يبقيها في صدارة اهتمامات المواطنين. ويعتبر عدد كبير من أصحاب الأعمال الصغيرة أن التضخم يمثل التحدي الأكبر، كما يحتل موقعاً متقدماً ضمن أولويات الناخبين. وتأتي هذه المخاوف في وقت تشهد فيه أسعار الوقود ارتفاعاً ملحوظاً، إذ زادت أسعار البنزين بأكثر من 30%، والديزل بنحو 40%، ما يعزز الإحساس بأن الضغوط التضخمية مستمرة. هذا الواقع يدفع كثيرين إلى التساؤل عما إذا كانت موجات التضخم المتتالية أصبحت الوضع الطبيعي الجديد، وهو ما تطرق إليه  جيروم باول في تصريحاته الأخيرة. وأقرّ باول بأن السنوات الخمس الماضية شهدت عدداً غير مسبوق من صدمات العرض، مشيراً إلى أن جائحة كورونا وارتفاع أسعار الطاقة كانت أحداثاً استثنائية، لكنها تكررت بوتيرة غير معتادة. وتكمن المشكلة في أن أدوات البنوك المركزية تركز أساساً على إدارة الطلب، ما يحدّ من قدرتها على التعامل مع صدمات العرض. لذلك، يبقى دورها الأساسي هو الحفاظ على استقرار توقعات التضخم ومنع تحول الزيادات المؤقتة إلى موجات تضخمية مستدامة. حتى الآن، نجح الاحتياطي الفيدرالي نسبياً في تثبيت توقعات التضخم على المدى الطويل، سواء في أسواق السندات أو في استطلاعات الرأي، رغم ارتفاع التوقعات على المدى القصير. مع ذلك، يرى بعض الاقتصاديين أن مؤشرات الأسواق قد تعكس قدراً من الثقة المفرطة، إذ تشير استطلاعات المستهلكين إلى توقعات أعلى للتضخم، ما يعني أن مصداقية الاحتياطي الفيدرالي بدأت تتآكل تدريجياً. وتؤكد دراسات أن هذه المصداقية لعبت دوراً مهماً في الحد من انتقال الصدمات السابقة إلى زيادات أوسع في الأسعار، من خلال كبح الضغوط على الأجور. ومع استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف، تتزايد المخاوف من هشاشة توقعات التضخم. فقد حذر مسؤولون في الاحتياطي الفيدرالي من خطر بقاء التضخم قريباً من 3%، مؤكدين أن الوقت غير مناسب للاعتقاد بأن آثار ارتفاع أسعار النفط ستكون مؤقتة. كما تشير التقديرات إلى أن حساسية المستهلكين تجاه الأسعار ازدادت خلال السنوات الأخيرة، ما قد يسرّع انتقال ارتفاع تكاليف الوقود والأسمدة إلى توقعات تضخمية أكثر رسوخاً. وفي هذا السياق، يطرح اقتصاديون تساؤلاً جوهرياً: هل يستطيع الاحتياطي الفيدرالي إقناع الأميركيين مجدداً بأن التضخم مؤقت، أم أن المخاطر المرتبطة بذلك أصبحت أكبر من أن تُحتمل؟

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية