عربي
استأنفت الصين والفيليبين محادثاتهما الدبلوماسية في نهاية الأسبوع الماضي، بعد شهر من اندلاع حرب إيران وقد تطرقت إلى التوترات البحرية بين البلدين والتعاون في مجال الطاقة. واجتمع دبلوماسيون كبار من الجانبين في مدينة تشوان جو شرقي الصين، يومي الجمعة والسبت الماضيين لإجراء جولتين من المحادثات، تناولت مجموعة من القضايا كان أبرزها التعاون في مجال النفط والغاز في بحر الصين الجنوبي، وكذلك الطاقة المتجددة واتصالات خفر السواحل في ظل الاضطرابات البحرية المنبثقة من إفرازات حرب إيران في الشهر الأخير.
أزمة طاقة بسبب حرب إيران
عُقدت هذه الاجتماعات بعد أيام فقط من إعلان مانيلا عن أزمة طاقة وطنية، ناجمة عن إجراءات طهران المتشددة بشأن مرور السفن عبر مضيق هرمز. وفي ظل نقص الوقود في الفيليبين بسبب حرب إيران صرّح الرئيس فرديناند ماركوس جونيور لوكالة بلومبيرغ في 24 مارس/آذار الماضي، أن الصراع في الشرق الأوسط قد يساعد مانيلا وبكين على إطلاق مشروع النفط والغاز الخاص بهما في بحر الصين الجنوبي. وقال إن إعادة ضبط العلاقات مع الصين تجري الآن. وتُعد هذه التعليقات خروجاً عن سياسة إدارة ماركوس الندّية بشأن نزاعات بلاده البحرية مع بكين. أيضاً تأتي المحادثات في أعقاب مناوشات بحرية بين الطرفين، حيث أعلنت البحرية الصينية، السبت الماضي، أن إحدى فرقاطاتها من طراز 054A اقتربت منها بشكل خطير سفينة تابعة للبحرية الفيليبينية الأسبوع الماضي، وذلك خلال دورية روتينية بالقرب من شعاب سوبي المرجانية. كما قامت قيادة المسرح الجنوبي لجيش التحرير الشعبي الصيني، الأحد الماضي، بدوريات استعداد قتالي شاركت فيها القوات البحرية والجوية بالقرب من شعاب سكاربورو، التي تسميها الصين جزيرة هوانغ يان وتسميها الفيليبين شعاب باناتاغ. ومن دون تسمية الفيليبين، ذكرت القيادة الجنوبية أنها كثفت دورياتها رداً على مختلف الانتهاكات والأعمال الاستفزازية.
ما تشونغ: بكين ومانيلا توصلتا إلى قناعة بأهمية تعزيز التعاون
يشار إلى أن البلدين وقعا على اتفاقية للتنقيب المشترك عن النفط في عام 2018 لكنهما لم يحرزا أي تقدم في هذا الاتجاه. ومع تسارع وتيرة الخلافات توقفت الجهود المبذولة للنهوض بالتنقيب المشترك في عام 2022. وفي العام التالي أكد زعيما البلدين على أهمية هذه الجهود واستمرارها بما يخدم مصالح الشعبين الصيني والفيليبيني، ولكن في نفس العام ألغت المحكمة العليا الفيليبينية اتفاقية ثلاثية للتنقيب عن النفط مع الصين وفيتنام تم التوقيع عليها في عام 2005. وتتداخل مطالبات بكين ومانيلا في بحر الصين الجنوبي، وقد اشتبكتا حول السيطرة على عدد من المعالم البحرية، بما في ذلك شعاب سكاربورو وسابينا. ولطالما تبادل الطرفان الاتهامات بالقيام بمناورات غير آمنة وغير مهنية في المناطق المتنازع عليها. وكانت المشاورات على مستوى وزارة الخارجية قد عُقدت لأول مرة منذ ثلاث سنوات، بينما انعقدت آلية التشاور الثنائي بشأن بحر الصين الجنوبي آخر مرة في يناير 2025 وكان من المتوقع أن تُعقد الآلية مرتين في السنة عند إطلاقها في عام 2017، لكنها توقفت مراراً بسبب التوترات البحرية.
في تعليقه على المحادثات الأخيرة بين الجانبين، قال المختص في شؤون بحر الصين الجنوبي، ما تشونغ (باحث في مركز لونغ مارش للدراسات الاستراتيجية)، في حديث لـ"العربي الجديد" إنه في ظل الأحداث التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط مثل حرب إيران والوضع في الدول النفطية على وجه التحديد وتأثير ذلك على أسعار النفط في جميع دول العالم وإمدادات الطاقة، يبدو أن كلاً من بكين ومانيلا توصلتا إلى قناعة بأهمية تعزيز التعاون في مجال التنقيب عن النفط في مناطق حيوية، وهذا بطبيعة الحال من شأنه أن يخفف من التوترات البحرية الثنائية، ويساعد على إيجاد أرضية مشتركة للتعاون في إطار سعي الطرفين لتحقيق المنفعة المتبادلة والمصالح المشتركة.
من جهته، استبعد الباحث في العلاقات الدولية في مركز النجمة الحمراء في بكين، جيانغ قوه، في حديث مع "العربي الجديد"، أن يتم تحقيق نتائج ملموسة بالرغم من حرب إيران وسير المحادثات والتعليقات الإيجابية حولها من الجانبين. وقال إن الأمر غير مرتبط بالاحتياجات النفطية حتى مع انخفاض انتاج حقول الطاقة في الفيليبين، بل بتوفر رغبة حقيقية في تذليل العقبات والتعاون مع الصين على أساس من الثقة والشراكة. ولكن التجارب السابقة التي شهدت انتكاسات في اتفاقات مماثلة، تشير إلى أنه لا يمكن لمانيلا أن تغادر المربع الذي حددته واشنطن، "لاستخدامها بمثابة بيدق في الصراع الأكبر بين واشنطن وبكين".
جيانغ قوه: التجارب السابقة التي شهدت انتكاسات في اتفاقات مماثلة
قيود دستورية في مانيلا
ورأى جيانغ أنه من دون حل النزاعات البحرية وأزمة السيادة على المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، سيكون من الصعب تحقيق اختراقات في ملفات أخرى، مهما كانت ملحة. كما أن مانيلا ستبقى أسيرة القيود الدستورية التي تحظر المشاركة الأجنبية في استكشاف موارد الطاقة، فكيف لو كانت هذه الجهة هي بكين التي تمثل التهديد الأكبر وفق الحسابات والمقاربة الفيليبينية.
يشار إلى أنه في يوليو/تموز المقبل، ستحل الذكرى العاشرة لقرار التحكيم الصادر عام 2016 لصالح مانيلا في محكمة لاهاي والذي رفض مزاعم بكين الواسعة النطاق بالحقوق التاريخية على معظم معالم بحر الصين الجنوبي. وقد رفضت الصين في حينه القرار وأصرت على كامل حقوقها في المنطقة. ويرى مراقبون صينيون أن مانيلا يمكن أن تستغل مرور عشر سنوات فرصةً لإثارة ضجة دولية حول الحكم من أجل التأكيد على قيمتها الاستراتيجية لواشنطن من خلال مناوشات منخفضة الحدة في بحر الصين الجنوبي.
مساء الثلاثاء، أعلنت الفيليبين أنها ستُعيد تسمية أكثر من مائة موقع في أرخبيل سبراتلي، في محاولة لتعزيز "سيادتها" في بحر الصين الجنوبي المتنازَع عليه، بما فيها المناطق التي تُطالب بها الصين. وتقع هذه الأماكن، التي ستُغيَّر أسماؤها بموجب الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس فرديناند ماركوس جونيور، في أرخبيل سبراتلي الذي يشهد مواجهات متكررة بين السفن الفيليبينية والصينية. وجاء في المرسوم الرئاسي أن "أكثر من مئة موقع في مجموعة جزر كالايان (الاسم الفيليبيني لأرخبيل سبراتلي) ستحمل الآن أسماء فيليبينية... ما يعزّز الإدارة والحكم، فضلاً عن السيادة، في بالاوان وبحر الفيليبين الغربي". ولجأت مانيلا إلى آلية إعادة التسمية عام 2012 في عهد إدارة بينينو أكينو، عندما أطلقت على مناطق من الممر المائي الحيوي الأقرب إلى ساحلها اسم بحر الفيليبين الغربي. وتُطالب الصين بالسيادة على الغالبية العظمى من الجزر والشعاب المرجانية في بحر الصين الجنوبي، حيث تُنازعها في ذلك دول أخرى (الفيليبين، وفيتنام، وماليزيا، وبروناي)، على الرغم من حكم دولي ينصّ على أن مطالباتها لا تستند إلى أساس قانوني.
