"الناتو" على صفيح ساخن: تهديدات ترامب وحرب إيران تهز الحلف
عربي
منذ يومين
مشاركة
في واحدة من أخطر الأزمات منذ نهاية الحرب الباردة، يتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين على خلفية الحرب مع إيران، وسط تهديدات غير مسبوقة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإعادة النظر في التزام بلاده تجاه حلف شمال الأطلسي "ناتو"، بل والتلويح بالانسحاب منه. ويكشف هذا التصعيد عن أزمة ثقة عميقة تضرب أسس التحالف الغربي، في لحظة تعيد فيها التحولات الجيوسياسية رسم ملامح النظام الدولي. وخلال 24 ساعة، بدا أن الإدارة الأميركية تتحرك بخطاب منسّق للضغط على أوروبا، إذ صعّد ترامب لهجته، مؤكداً أنه "يفكر بقوة" في الانسحاب من "ناتو"، وواصفاً الحلف بـ"نمر من ورق"، في إشارة إلى ما يعتبره فشلاً أوروبياً في دعم واشنطن. وترافقت هذه التصريحات مع مواقف لوزير خارجيته ماركو روبيو، الذي ألمح إلى احتمال "إعادة النظر" في العلاقة مع "ناتو"، محذراً من تحوّله إلى "طريق باتجاه واحد"، تتحمل فيه الولايات المتحدة العبء الأكبر، في ظل دعوات داخل المؤسسة الدفاعية لإعادة توزيع الأعباء وعدم الاعتماد على واشنطن وحدها. في المقابل، جاء الرد الأوروبي حذراً، لكنه واضح: "ليست حربنا". ورفضت عدة دول الانخراط عسكرياً في الحرب على إيران، معتبرة أن الصراع لا يخدم مصالحها وقد يفتح باب تصعيد أوسع. وفي لندن، دافع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن حلف شمال الأطلسي، واصفاً إياه بعد الانتقادات المتكررة التي وجّهها ترامب، بأنه "التحالف العسكري الأكثر فاعلية الذي عرفه العالم على الإطلاق"، وقائلاً: "ناتو يكفل أمننا منذ عقود، ونحن ملتزمون به كلياً". وأكد ستارمر أن بلاده ستتحرك وفق مصالحها الوطنية، مع إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية وتجنب التصعيد، في موقف يعكس توجّهاً أوروبياً أوسع يتسم بالحذر، خاصة بعد تجارب الشرق الأوسط المكلفة. وتكشف التطورات الأخيرة عن عمق الأزمة داخل حلف شمال الأطلسي. فواشنطن ترى أن أوروبا لا تتحمل نصيبها من الأعباء العسكرية، بينما تشعر العواصم الأوروبية بأن الولايات المتحدة تتخذ قرارات أحادية ثم تطالب بالدعم لاحقاً، ما يوسع فجوة الثقة، ويحوّل الحرب مع إيران إلى عامل مسرّع لتصدع الحلف. "ناتو" بلا أميركا لا وجود له تصريحات ماركو روبيو كانت الأكثر وضوحاً في التشكيك بأساس الحلف، محذراً من أن مطالبة واشنطن بالدفاع عن أوروبا مع تقييد تحركاتها "ليس ترتيباً مستداماً"، داعياً إلى إعادة النظر في "الأمر برمته". هذا التحوّل يعكس تحولاً استراتيجياً داخل الإدارة الأميركية: من الدفاع عن "ناتو" إلى التشكيك في ضرورته. عبر منصته "تروث سوشيال" وتصريحات صحافية، صعّد ترامب لهجته بشكل غير مسبوق، منتقداً الحلفاء الأوروبيين مباشرة: هاجم بريطانيا لرفضها المشاركة في الحرب، واتهم فرنسا بعدم التعاون العسكري، ولوّح بترك الحلفاء لمواجهة التهديدات بمفردهم، قائلاً بوضوح: "تحلّوا بالشجاعة واذهبوا بأنفسكم… لن تكون الولايات المتحدة هناك لمساعدتكم". وتعكس هذه التصريحات انتقال الخطاب الأميركي من الضغط السياسي التقليدي إلى التهديد المباشر بفك الارتباط الأمني، في لحظة تاريخية قد تعيد رسم موازين القوى داخل التحالف الأطلسي. تطرح الأزمة الحالية سؤالاً جوهرياً: هل لا يزال حلف شمال الأطلسي تحالفاً متماسكاً، أم إنه يتحول تدريجياً إلى إطار شكلي؟ فبينما تشكك واشنطن في جدوى الحلف، لا تبدو أوروبا جاهزة بعد لملء الفراغ المحتمل، رغم تصاعد الحديث عن "الاستقلال الدفاعي الأوروبي". الفجوات العسكرية والسياسية بين الدول الأعضاء لا تزال كبيرة، ما يجعل أي بديل لـ"ناتو" مشروعاً طويل الأمد ومعقداً. ما وراء الحرب على إيران يُكشف عن تحوّل أعمق: الخلاف لا يقتصر على المواجهة العسكرية، بل يشمل طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي. الإدارة الأميركية تعتمد نهجاً أكثر صدامية، قائماً على الضغط وإعادة توزيع الأعباء، بينما تميل أوروبا إلى مقاربة حذرة ومتعددة الأطراف. هذا التباين يعكس رؤيتين متناقضتين للنظام الدولي: واشنطن تميل إلى فرض القيادة، وأوروبا تسعى إلى التوازن وتجنب التصعيد، ومع تكرار الأزمات، تتسع فجوة الثقة تدريجياً. تجربة "لحظة غرينلاند" وأزمة السيطرة التي أدارها ترامب في يناير/ كانون الثاني الماضي عززتا شعور الأوروبيين بغياب الاعتمادية على واشنطن. انسحاب بمثابة زلزال غربي وحتى الآن، لم يُتخذ قرار رسمي بانسحاب الولايات المتحدة من الحلف، فيما تخضع هذه الخطوة لإجراءات قانونية معقدة، بما في ذلك دور الكونغرس. لكن مجرد طرح هذا الاحتمال بشكل جدي، يعكس حجم التحول الجاري: الحلف الذي شكّل لعقود حجر الأساس للأمن الغربي، يواجه اليوم اختباراً وجودياً غير مسبوق، قد يعيد رسم خريطة التحالفات الدولية ويعيد تعريف مستقبل الأمن الأوروبي. إذا تحقق هذا السيناريو، فإن انسحاب واشنطن لن يكون مجرد خطوة سياسية، بل زلزالاً جيو-سياسياً يعيد تشكيل ميزان القوى العالمي. فمن دون المظلة الأميركية، ستجد أوروبا نفسها أمام فراغ أمني خطير، مع تراجع فعالية مبدأ الدفاع المشترك وازدياد هشاشة دول شرق القارة. في هذا السياق، وبحسب تحليلات الأوروبيين، قد تستغل روسيا الوضع لتعزيز نفوذها واختبار تماسك القارة، ما قد يؤدي إلى اختلال واضح في ميزان القوى. في المقابل، ستضطر أوروبا إلى زيادة إنفاقها العسكري وبناء قدرات دفاعية مستقلة، وربما إعادة طرح فكرة الردع النووي الأوروبي، رغم ما يرافق ذلك من أعباء اقتصادية وتحديات سياسية؛ كما قد يتسارع الحديث عن "الاستقلال الدفاعي الأوروبي"، لكن هذا المسار سيصطدم بانقسامات داخلية تجعل أوروبا أقوى نظرياً، لكنها أقل تماسكاً عملياً. تداعيات عالمية لا تقتصر تداعيات هذا التحول على أوروبا، بل تمتد إلى النظام الدولي بأسره. فانسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي سيؤدي إلى تراجع الثقة بالتحالفات الأميركية، ويفتح المجال أمام قوى صاعدة مثل الصين لتعزيز نفوذها. وفي المحصلة، قد يتجه العالم نحو نظام متعدد الأقطاب، لكنه أكثر هشاشة وأقل استقراراً. ما يجري اليوم يتجاوز كونه خلافاً سياسياً عابراً، ليعكس تحولاً استراتيجياً عميقاً في العلاقات عبر الأطلسي. فحرب إيران كانت الشرارة، لكن جذور الأزمة تمتد إلى تضارب المصالح، وتآكل الثقة، واختلاف الرؤى حول مستقبل النظام الدولي. وبينما ترفع أوروبا شعار "ليست حربنا"، يلوّح ترامب بخيارات قد تغيّر موازين القوى العالمية. السؤال لم يعد ما إذا كانت هناك أزمة داخل "ناتو"، بل ما إذا كان هذا التحالف قادراً على البقاء بصيغته الحالية في عالم يتغير بسرعة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية