عربي
آلاف الجنود الأميركيين بدأوا في الوصول إلى الشرق الأوسط، في الوقت الذي يدرس فيه الرئيس دونالد ترامب خطواته التالية في الحرب على إيران، واحتمال توسيع نطاق الخيارات لتشمل إمكانية نشر قوات داخل الأراضي الإيرانية. ومن المتوقع أن يستمر وصول التعزيزات، ما يرجح احتمال خيارات عسكرية، تشمل عمليات قد تستهدف فتح مضيق هرمز أو السيطرة على النفط من جزيرة خارج، أو الاستيلاء على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب. وكانت صحيفة نيويورك تايمز أول من أورد أن هذه القوات وصلت إلى المنطقة.
في هذا الوقت تزداد الأسئلة إلحاحاً عن دور أوروبي في مضيق هرمز، سواء منفصل، أو في إطار التضامن الأطلسي. وكشفت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عن وضع معقد لجهة مستوى استجابة أوروبا للانضمام إلى واشنطن، فهي تتصرف ضمن حدود ضيقة، وغاب حتى الآن بشكل ملحوظ، أي استعداد لتولي دور أمني حاسم. ويرى مراقبون أوروبيون أن نهج أوروبا يُمكن وصفه بأنه مراقب استراتيجي، يكتفي بالانخراط وفق شروط مدروسة بعناية، تُقلل من ظهوره ومخاطره.
بعدٌ أوروبي عن مضيق هرمز
يمكن تصنيف الموقف الأوروبي على أنه أكثر تعقيداً من مجرد النأي بالنفس، وفي الوقت الذي تُشدد فيه الحكومات الأوروبية، علناً، على ضبط النفس وخفض التصعيد، تُفيد التقارير بأن العديد منها يُقدم دعماً دبلوماسياً ولوجستياً واستخباراتياً غير مُعلن للجهود الأميركية. ويؤكد هذا النهج المزدوج أن أوروبا ليست غائبة عن الحرب، بل تشارك فيها بشروط مدروسة بعناية تُقلل من ظهورها ومخاطرها. وبالتالي فإن أوروبا تنخرط بحذر ومن دون التزام، ولذلك بقيت دول الاتحاد الأوروبي تدعو إلى ضبط النفس في مضيق هرمز وتشدد على أهمية إبقاء الممرات البحرية مفتوحة، وعملت مع شركائها في الخليج لاحتواء التداعيات. وقد عكس بيانٌ مشترك بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي في أوائل مارس/ آذار الماضي هذا النهج.
دول الاتحاد في موقف حرج بسبب تبعية الطاقة والأمن والدفاع للولايات المتحدة
وفي الوقت نفسه، أشار البيان إلى ضرورة عدم استخدام أراضي الخليج لشن هجمات، وهي رسالة ضمنية موجهة ليس فقط إلى طهران، بل أيضاً إلى واشنطن وتل أبيب. والثابت حتى الآن أن العديد من الدول الأوروبية، من بينها ألمانيا وفرنسا وإسبانيا، لن تُشارك في عمليات عسكرية لتأمين مضيق هرمز، ما دامت الأعمال الحربية مستمرة. والملاحظة الجديرة بالاهتمام أن الدول الأوروبية لم توسع حتى الآن أو ترفع من حجم وجودها الحربي في الخليج ونوعيته، وحسب مصادر أوروبية مطلعة في باريس، فإن النقاش الدائر في أروقة المفوضية الأوروبية يتركز على تعزيز الانتشار الحالي، بدلاً من تكييفه مع مسرح عمليات جديد.
لا يريد الأوروبيون حتى الآن الانخراط كلياً في الحرب، وهم يكتفون بدور الإسناد والعمل من الخطوط الخلفية، وقد ألمح إلى ذلك وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في ختام اجتماع وزراء خارجية الدول السبع الذي انعقد في باريس قبل أيام، وتحدث بما يشبه الصراحة لإيصال رسالة فحواها أنه "إذا لم تساعدوا الولايات المتحدة فستكون العواقب وخيمة"، وحمّلهم مسؤولية شق الجبهة المعادية لإيران. وتلوّح واشنطن بعدة أوراق على سبيل معاقبة الأوروبيين: الأولى أوكرانيا، حيث قررت واشنطن تعليق العقوبات على النفط الروسي، وهذا يعني ضخ المال في الحرب الروسية على أوكرانيا. والثانية الغاز الذي تعتمد أوروبا فيه عادة على النرويج وأميركا والجزائر وقطر. وبسبب غياب الغاز القطري، بدأت بعض دول الاتحاد الأوروبي الاعتماد على الجزائر، ولهذا الغرض زار العاصمة الجزائرية كل من رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني ووزير خارجية إسبانيا خوسيه مانويل ألباريس، لكن قدرة الجزائر محدودة، ولذلك يزداد الاعتماد الأوروبي على الغاز الأميركي، ويخشى الأوروبيون أن ترفع واشنطن الأسعار، وعلى هذا تبدو دول الاتحاد في موقف حرج، بسبب تبعية الطاقة والأمن والدفاع على الولايات المتحدة، وكلما حاولت أن تسحب نفسها تزج بها واشنطن من جديد.
تقف أوروبا مرة أخرى أمام مفترق طرق، وحالة نزاع بين الأولويات الوطنية والاستراتيجية الأوروبية. ويبدو أنه إذا كان هناك موقف أوروبي مشترك، فهو يكمن في ما لا ترغب الدول الأعضاء في فعله أكثر مما هي مستعدة للقيام به. ويظهر موقف فرنسا أكثر تعبيراً عما يدور، إذ سعت باريس للحفاظ على قدر من المرونة الاستراتيجية.
وطرح الرئيس إيمانويل ماكرون فكرة بذل جهد بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة عبر مضيق هرمز، فيما أعادت القوات الفرنسية تموضع أصولها، بما في ذلك حاملة الطائرات شارل ديغول، ونشرت طائرات رافال في الإمارات تشارك بالتصدي لهجمات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيَّرة الإيرانية. ولا يدع المسؤولون الفرنسيون فرصة لتأكيد أن دور بلادهم دفاعي، واستبعدوا المشاركة في جهود إعادة فتح مضيق هرمز في أثناء العمليات الحربية، وفي رأيهم أن الخيارات العسكرية وحدها غير كافية لإعادة فتح المضيق، ولا يزال ماثلاً في الأذهان الدرس من فشل التحالف البحري الدولي في البحر الأحمر، رغم الجهود المبذولة على مدى أشهر، في وقف هجمات الحوثيين على السفن.
كل السفن التي تدخل الخليج باتت معرّضة للهجوم، وقد تجد الدول التي تُوفّر الحماية نفسها مُصنّفةً طرفاً مُتحارباً. وسيكون التصعيد فورياً وغير متوقع، وهذا يقود للحاجة إلى تفكير استراتيجي بشأن الحلول الدبلوماسية. ويمكن أن تكون خبرة الاتحاد الأوروبي وقيادته حاسمة. وبدلاً من ذلك، أبدت فرنسا اهتماماً بترتيب بحري لما بعد النزاع يمكن أن يعمل بشروط مختلفة عن العمليات التي تقودها الولايات المتحدة. فمن وجهة نظر قطاع النقل البحري، حتى لو توقفت الأعمال العدائية رسمياً، فستظلّ مستويات المخاطر مرتفعة، وستُعامل المنطقة بوصفها منطقة حرب في المستقبل المنظور. وقد يُؤدّي حادث واحد إلى توقف حركة الملاحة مجدداً. ومع كل ذلك، يسود الظن أن مضيق هرمز سيشكل منعطفاً، والتوجه السائد هو أن واشنطن ستفتح المضيق من خلال قوة ضاربة، ومن المؤكد عدم مشاركة فرنسا ودول أوروبا في قوامها، كما جاء في تصريح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو بقوله إن فرنسا تشاطر الولايات المتحدة الأهداف نفسها، وإن نظام مرافقة الناقلات سيكون ضرورياً بمجرد انتهاء ذروة الأعمال العدائية في المنطقة.
يعكس الموقف الفرنسي الذي طُرح خلال اجتماع الدول السبع مسعى أوسع لتحقيق التوازن بين الاستقلالية الاستراتيجية والحذر العملياتي، وهذا ما تحاول باريس تعميمه على المستوى الأوروبي، وسط اختلافات متفاوتة في المواقف بين لندن وبرلين ومدريد التي تمثل أوضح تعبير، بشكل متزايد، عن المزاج الأوروبي العام في مختلف أنحاء القارة، حيث تتحدث الحكومات على أنها لم تبدأ الصراع ولا تسيطر عليه، ما يعزز التردد المشترك في تحمّل المسؤوليات العملياتية في حرب تشنها جهات خارجية.
نجاح العملية في مضيق هرمز بالنسبة للأوروبيين يعني تحديد قواعد الاشتباك
غياب النفوذ الأوروبي
باتت أوروبا بسبب هذا الوضع في موقفٍ حرج. فهي تدعو إلى خفض التصعيد، وتُشكّك في شرعية العمل العسكري، وتفتقر إلى النفوذ اللازم للتأثير في النتائج. وفي الوقت ذاته، يطرح التردد الأوروبي تحدياً مهماً، ويثير مخاوف من تأثر المصالح الأوروبية مباشرةً، في غياب الآليات اللازمة لترجمة ذلك إلى إجراءات أمنية موحدة وفي الوقت المناسب. ولا يعكس هذا محدودية القدرات فحسب، بل التردد السياسي في تحويل المهام الدفاعية إلى أدوات لانخراط استراتيجي أوسع. وفي الأحوال كافة، يفتقر الاتحاد الأوروبي إلى إطار موحد لصنع القرار العسكري، ورغم امتلاك الدول الأوروبية قوات مسلحة كفوءة، إلا أن هياكل الدفاع الجماعية للاتحاد الأوروبي لا تزال محدودة. ونتيجة لذلك، تعتمد الاستجابات على الإرادة السياسية الوطنية، بدلاً من العمل المنسق. ويبقى أن نجاح العملية في مضيق هرمز بالنسبة إلى الأوروبيين يعني تحديد قواعد الاشتباك، كي لا تتكرر تجربة أفغانستان. فقد حاور ترامب حركة طالبان خلال ولايته الأولى (2017 ـ 2021) من دون علم الأوروبيين، بينما سحب جو بايدن القوات الأميركية من هناك من دون التنسيق مع الشركاء الأوروبيين.
وفي نظر خبراء أوروبيين، تكمن أهم نتيجة توصلت إليها دول الاتحاد الأوروبي في أن ضعف أوروبا الهيكلي لا يفسر وحده موقفها وترددها تجاه الحرب، التي كشفت عن قدرٍ من انعدام الثقة عبر الأطلسي، وعلى هذا هناك حقيقة صارت واضحة، وهي تتمثل بأن الاعتماد على الولايات المتحدة لا يُترجم بالضرورة إلى تقارب في السياسات، ولا سيما عندما تُدرك الحكومات الأوروبية أخطاراً استراتيجية ومحلية على حدٍ سواء.
ومهما يكن من أمر، فإن واشنطن ليس لديها وقت كافٍ، وعليها أن تنجز عملية مضيق هرمز قبل 15 إبريل/ نيسان الحالي، موعد ذهاب ترامب إلى الكونغرس ليطلب 200 مليار دولار. الرئيس يخوض الحرب، والكونغرس يموّل، والأوروبيون يتولون حراسة مضيق هرمز بوصفه حنفية غاز العالم ونفطه، ومن بين التصورات المطروحة أن تتحول أوروبا إلى درع أمنية، حيث يتمتع الاتحاد الأوروبي بموقع استثنائي، ويمتلك خبرة تمتد لعقدين تقريباً في إدارة العمليات البحرية متعددة الأطراف في بعض من أكثر البيئات البحرية اضطراباً في العالم، وذلك من خلال عملية "أتالانتا"، التي انطلقت عام 2008 لمكافحة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وأصبحت واحدةً من أنجح العمليات البحرية متعددة الأطراف في التاريخ الحديث.
