عربي
عند أيّ حادثة تؤدّي إلى توتّر طائفي، يضع السوريون أيديهم على قلوبهم خوفاً من تطوّرها إلى مشكلةٍ أكبر، وربّما إلى حرب أهليةٍ لا سمح الله في هذه البلاد التي يكثر فيها المحرّضون، ويقلّ فيها أصحاب العقل الراجح، مع تراجع مؤسّسات الدولة وغياب المحاسبة. وبينما وُصِمَ شهر مارس/ آذار بشهر الثورة والمجازر، بسبب انطلاق ثورة السوريين فيه خلال عهد بشّار الأسد، ووقوع الانتهاكات في جرمانا والمجازر في الساحل خلال العهد الجديد، آثر هذا الشهر ألّا يغادرنا من دون حادثة تندرج ضمن هذا السياق. لذلك جاءت حادثة الهجوم الليلي على مدينة السقيلبية في حماة، لتجعل دائرة الطوائف السورية المستهدَفة بعد سقوط الأسد، تشارف على الاكتمال، وتهدّد السلم الأهلي الذي أصبح هشّاً أكثر من أيّ فترة مضت.
وفي ليلة الجمعة التي دُعي فيها جميع السوريين إلى الخروج إلى الساحات لدعم قرار محافظ دمشق بمنع بيع المشروبات الكحولية، وحصرها في الأحياء التي يقطنها سوريون مسيحيون، هاجم عشرات، وربّما مئات، من أبناء مدينة قلعة المضيق التي يقطنها سوريون من الطائفة السنّية، مدينة السقيلبية التي يقطنها مسيحيون. روّع المهاجمون أهالي المدينة، مهدّدين سكّانها من مغبة الخروج من منازلهم، فكسروا واجهات المنازل وأحرقوا بعضها، واقتحموا المحالّ التجارية والمقاهي وكسّروا محتوياتها وسرقوا ما تمكّنوا من حمله. ولم تسلم الرموز الدينية من التخريب والتكسير في مدينة تعرّضت قبل أكثر من سنة لحادثة حرق شجرة الميلاد التي نُصبت في ساحتها، وقالت قوات الأمن يومها إنّها أوقفت المتورّطين، وهم غير سوريين، ربّما في إشارة إلى الجهاديين الأجانب المحاربين ضمن الفصائل السورية.
وجاء التبرير الحكومي كالمعتاد في حوادث كهذه، إذ صنّف الهجوم حادثاً فردياً لعناصر منفلتة، تطوّر إلى الشكل الذي رأيناه. غير أنّ هذا التبرير لاقى رفضاً من كثيرين، خصوصاً أهالي المدينة المستهدَفة الذين ربطوا الحادثة بالتحريض الذي انطلق طوال الأسبوع الذي سبق، وركّز فيه على المسيحيين، فوصمهم بأنّهم مروّجو الخمور، بعد قرار محافظ دمشق حصر بيع الخمور في أحيائهم. وهو القرار الذي لاقى استهجاناً، ونظّم اعتصام في حي باب توما للاحتجاج عليه، وعلى التضييق على الحرّيات الشخصية. وبعد هذه المظاهرة، دعا بعضهم إلى مظاهرات مضادّة بعد صلاة الجمعة، تأييداً لقرار المحافظ، لكنّها لم تشهد المشاركة المرجوّة، في وقت يرزح فيه السوريون تحت ثقل ضائقة مادّية ومعيشية غير مسبوقة، ولا وقت لديهم إلا ليسعوا فيه من أجل إيجاد السبل التي تدفع عنهم المجاعة.
جاءت حادثة الهجوم الليلي على مدينة السقيلبية في حماة، لتجعل دائرة الطوائف السورية المستهدَفة بعد سقوط الأسد، تشارف على الاكتمال
هل تبدو سورية مرشّحةً لحرب طائفية؟ سؤال يتبادر إلى الذهن كلّما حصل إشكال طائفي يستدعى من بعضهم الدعوة إلى الفزعة (أو الجهاد) ضدّ إحدى الأقلّيات، فنشهد إراقة دماء وتوسيع الشرخ بين أبناء البلاد، وتغييب الثقة المجتمعية وتزايد حدّة الاستقطاب الداخلي. وفي هذا الوقت، لا تتوقّف موجات التحريض الطائفي، والتحريض على المختلفين بالرأي وعلى معارضي الحكومة، سواء داخل البلاد أو خارجها. وهو تحريض يترافق مع انتشار خطاب الكراهية، وانضمام أفراد جدد كلّ يوم إلى الجوقة المكوّنة من أصحاب هذا الخطاب. وقد وصل هذا الخطاب إلى ذروته مع التحريض ضدّ المسيحيين بعد تأطيرهم بأطر غير لائقة، هم ومعهم من احتجّ على قرار المحافظ.
ليست هذه الحوادث، واستسهال كثيرين استهداف مدينة ينتمي أهلها إلى طائفة مختلفة وتخريب ممتلكاتهم وتوجيه الشتائم الطائفية والاتهامات إليهم، سوى نتيجة لقصور أجهزة الدولة المتمثّلة في القضاء الذي يمتنع عن محاسبة المحرّضين، والذين يثبت تورّطهم في أعمال شغب واعتداء طائفي. ويجري هذا الأمر في وقت يظهر فيه غياب الدولة مع انسداد الأفق السياسي في البلاد، نتيجةً لعدم السير في عملية التسوية السياسية إلى آخرها، ولتأجيل البتّ في الملفّات العالقة، ولعدم الدخول في مسار العدالة الانتقالية. وهي معوّقات أدّت إلى ظهور فوارق مجتمعية وطبقية حادّة بين السلطة (ورموزها) وأبناء الشعب، في وقت تبدو فيه السلطة قد تخلّت عن مسؤولياتها تجاه المجتمع وتحسين مستوى معيشة أبنائه. وهي لذلك تترك فئات المجتمع تتصارع، وتتركهم يغوصون في وحول المصاعب المعيشية، لكي يفقدوا القدرة على مراقبة هذه السلطة، أو الاحتجاج على إخفاقها ومطالبتها بالاستقالة، لفسح المجال لمَن لديه القدرة على حلّ مشكلات البلاد.
على السلطة محاسبة من شاركوا في الانتهاكات وأعمال التحريض لتضع البلاد قدمها على أولى درجات التعافي
وبينما تقامر السلطة في الامتناع عن محاسبة المشاركين في المجازر والانتهاكات ضدّ فئات مجتمعية واسعة، وضدّ طوائف بعينها، فإنها تعطي الانطباع أنها ضعيفة، كما استنتج كثيرون. من لا يُحاسَب على أفعال كهذه يشعر أنّ لديه حصانة لفعل ما يريد، خصوصاً لجهة التعدّي على الآخرين وإهانة كرامة الناس. وهذه الحصانة ترسّخ قناعة هؤلاء أنّ انتماءهم الطائفي بات ميزةً، فيزداد فائض القوة التي يختزنونها، ما قد يتطوّر في مرحلة لاحقة إلى ترسيخ ضعف الدولة وهشاشتها، ما يزيد من غياب الاستقرار ويقدّم صورةً عن سورية البلد الطارد للأعمال والاستثمارات.
فرض سيطرة الدولة على المجتمع السوري بهذه الصورة، خصوصاً على أبناء الأقلّيات، وممارساتٍ كهذه، إنّما تزيد الضغط الذي سيؤدّي حتماً إلى انفجار. وهذا الانفجار لن يشارك فيه أبناء الأقلّيات ردّاً على ما طاولهم من انتهاكات فقط، بل يشارك فيه أناس من جمهور السلطة ذاتها، وممَّن حملوا السلاح معها في المعارك ضدّ أبناء البلاد الآخرين، حين يصلون إلى نقطة يصبحون فيها على قناعة تامّة بصعوبة تأسيس دولة بهذه الشاكلة من السلوك. عندها لن تكون الحرب الأهلية بين أقلّيات وأكثرية، بل بين أقلية حاكمة وأكثرية محرومة ومهمّشة ومقصية. أمّا إذا ما لعبت السلطة دورها في حماية جميع أبناء البلاد، فعليها البدء من فورها في محاسبة من شاركوا في الانتهاكات وأعمال التحريض على السواء، عندها تضع البلاد قدمها على أولى درجات التعافي، وربّما يجري تنفيذ ما وُعِدَ السوريون بتحقيقه.

أخبار ذات صلة.
إيران تستهدف ناقلات النفط في الخليج
الشرق الأوسط
منذ 8 دقائق
العراق يكمل «العقد العربي» في مونديال 2026
الشرق الأوسط
منذ 17 دقيقة