إعدام الأسرى لا يحتاج قانوناً
عربي
منذ ساعة
مشاركة
تصف منظمة هيومن رايتس ووتش قانون إعدام الأسرى الذي أقرّه الكنيست أخيراً بأنه "تمييزي"، وهذا ليس اكتشافاً، إذ سبق لدول أوروبية عدّة أن أطلقت عليه الوصف نفسه الذي يرسّخ "نظام الأبارتهايد المُمأسس الذي تفرضه إسرائيل على جميع الفلسطينيين الذين تتحكّم بحقوقهم"، كما أكّدت منظمة العفو الدولية (أمنستي) قبل نحو شهرَين. وبعيداً من أيّ توصيف قانوني، ما خلص إليه تقرير لهيومن رايتس ووتش يبدو أكثر توفيقاً وتعبيراً عن جوهر القانون الذي يهدف، ببساطة، كما قالت المنظمة الحقوقية، إلى "قتل المعتقلين الفلسطينيين بشكل أسرع وبرقابة أقلّ". وتفيد تقارير نادي الأسير الفلسطيني ومؤسّسة الضمير بأنّ أكثر من مائة أسير قُتلوا داخل الزنازين الإسرائيلية، تحت التعذيب، منذ "7 أكتوبر" (2023)، ولم يتطلّب الأمر قانوناً "تمييزياً" يشرّع هذا، فالممارسات الإسرائيلية على الأرض وعلى اللحم الحي للضحايا الفلسطينيين منذ عام 1948 لم تكن يوماً في حاجة إلى قوانين من أيّ نوع، فهي الأصل الذي يُملي القوانين ويُشرّعها، وسوى ذلك نوع من العبث أو البروباغاندا الرخيصة التي تسعى لتصدير صورة إسرائيل دولةً تنتمي إلى العالم المعاصر وتمتثل للقوانين، وما هي كذلك، لا اليوم ولا في الأمس. فمنذ احتلال 1967، اعتقلت إسرائيل ما بين 800 ألف إلى مليون فلسطيني أو أكثر، في حال احتساب تكرار حالات الاعتقال، ما يعني أنّ واحداً من كلّ خمسة أو أربعة فلسطينيين تعرّض للاعتقال منذ ذلك التاريخ، وهي من أعلى النسب في العالم. الحديث هنا، للدقّة، عن أكبر سجن في التاريخ، إذ لم يسبق لدولة أن مارست هذا النمط المتكرّر من الاعتقالات على مدار نحو ستين عاماً، بلا توقّف، وبلا مبرّرات تتسق مع القوانين الدولية، وإذا أضيف إلى هذا الإغلاقات وتقييد حركة التنقّل بين المدن والقرى، وهذا نمط متكرّر، والمنع من السفر خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، الذي أصبح قاعدةً لا استثناءً، نكون أمام أسوأ معتقل عرفته البشرية منذ نفي آدم إلى الأرض. ماذا تريد إسرائيل؟ لا تريد نفي الفلسطينيين أو حتى تهجيرهم قسرياً فقط، بل قتلهم وإبادتهم، لذلك يبدو وصف قانون إعدام الأسرى بـ"التمييزي" قاصراً عن فهم الممارسات الإسرائيلية، ومهذّباً بشكل بالغ مقارنةً بالوقائع. والخشية الآن (وهي مبرّرة) أن تتزايد وتيرة القتل استناداً إلى القانون أو في غيابه، وأن يشمل مئات من أصل نحو عشرة آلاف أسير فلسطيني حالياً في السجون الإسرائيلية. تساءل إيتمار بن غفير (وزير الأمن القومي الإسرائيلي) قبل عدّة أشهر عن السبب الذي يجعل "دولته" توفّر خبزاً طازجاً للأسرى كلّ صباح، وتعهّد بألا يستمرّ هذا "الترف" في عهده. ولاحقاً زار بن غفير الأسير الفلسطيني مروان البرغوثي في زنزانته وتعمّد إهانته وترويعه، وهدّده بالقول إنّ مصير من يهدّد إسرائيل سيكون "المحو". والظنّ (ونتمنى ألّا يحدث) أن يكون البرغوثي من أوائل المستهدَفين بالقانون الجديد، سواء سُحب أو اعتمدته حكومة نتنياهو، خصوصاً أنّ أنصاف الكائنات الحيّة من أمثال بن غفير لا يتورّعون عن فعل شيء، فهم يتعاملون، وفق وزير الدفاع السابق يوآف غالانت، مع "حيوانات بشرية"، كما قال في تبرير المذبحة المفتوحة وغير المسبوقة التي ارتكبها ورهطه من مجرمي الحرب في قطاع غزّة بعد "7 أكتوبر". تعرّض البرغوثي مراراً للتنكيل في محبسه، كُسرت أضلاعه ووُجهت إليه ضربات عنيفة، على رأسه ووجهه تحديداً، بغرض قتله، وتعرّض وما زال للعزل، ومُنعت أسرته ومحاميه من زيارته، ما يزيد من الأخطار المحدقة بحياة هذا الرجل الذي يتمتّع برمزية عالية بين الفلسطينيين. ولا يقتصر الخطر الداهم على البرغوثي وحده، فهناك نحو 1237 أسيراً تصنّفهم إسرائيل تحت خانة المقاتلين غير الشرعيين، ومنهم الطبيب الغزّي حسام أبو صفية، التي تفيد التقارير بأنّ حالته في تدهور متسارع في زنزانته، جرّاء التعذيب والعزل، ويضاف إلى هؤلاء محكومون بالمؤبّدات، ما يعني أنّ مجزرةً مفتوحةً على العالم تنتظرهم، ولا يكفي في وصف هذا كلّه القول إنّ القانون الجديد تمييزي، بينما هو فصل جديد من إبادة متواصلة كانت ذروتها في غزّة.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية