عربي
منذ اشتعال الحرب في الخليج، وأنا أراقب كلماتي وهي تنكمش داخل سياق واحد، كأنّها فقدت قدرتها على التمدّد، أو كأنّ العالم من حولها قد تقلّص إلى مشهد واحد لا يغادر. أفتح شاشتي، وأحاول أن أكتب عن شيء آخر؛ عن كتاب قرأته، أو قصيدة قديمة، أو ذكرى عابرة، لكنّ النص يعود بي في كلّ مرّة إلى النقطة ذاتها، إلى تلك البؤرة الثقيلة التي تستقطب المعنى وتعيد تشكيله وفق إيقاعها الخاص. كأنّ الكتابة نفسها قد دخلت حالةَ تعبئة، أو كأنّها استجابت على نحو غريزي لنداء الخطر.
أحاول أن أفلت، أن أستعيد حرّيتي كاتبةً، أن أكتب خارج هذا المدار الضيّق، لكنّني أكتشف أنّ الأمر ليس قراراً واعياً بالكامل، بل هو شيء أعمق، شيء يتّصل بطبيعة العلاقة بين الكاتب وما يحيط به. نحن لا نكتب من فراغ، ولا من رفاهية اختيار الموضوعات فحسب، بل من تماس مباشر مع ما يضغط على وعينا، وما يترك أثره في أعصابنا ولغتنا. ولهذا يبدو السؤال ملحّاً: هل نكتب ما نعيشه لأنّنا نريده، أم لأنّنا لا نستطيع الفكاك منه؟
الحرب، بطبيعتها، لا تكتفي بأن تكون حدثاً سياسياً أو عسكرياً، بل تتسلّل إلى تفاصيل الحياة اليومية، وتعيد ترتيب الأولويات، وتفرض حضورها حتى في أكثر المساحات خصوصيةً. تصبح اللغة نفسها مشدودةً إلى قاموسها، تتغيّر مفرداتها، وتضيق مساراتها، ويغدو من الصعب أن تكتب بجوارها من دون أن تلامسها. وحين أحاول أن أكتب بعيداً عنها، أشعر كأنّني أمارس نوعاً من الترف الذي لا يليق، أو كأنّني أتنكّر لما يحدث حولي، وهذا شعور يثقل النصّ ويشوّش نبرته.
ومع ذلك، لا أستطيع أن أقبل بفكرة أنّ الكاتب محكوم بالكامل بما يعيشه، لأنّ في هذا نوعاً من المصادرة لدور الخيال، ولقدرة الكتابة على أن تكون مساحة مقاومة، لا مجرّد مرآة. الكتابة ليست تسجيلاً محايداً لما يحدث، بل هي أيضاً محاولة لفهمه، أو لتجاوزه، أو حتى للالتفاف عليه حين يضيق الأفق. ولهذا أجد نفسي عالقةً بين رغبتَين؛ رغبةٌ في أن أكون وفيةً لما يحدث، ورغبةٌ في أن أحمي لغتي من أن تتحوّل إلى صدى مباشر له.
ربّما المشكلة ليست في هيمنة الحرب على موضوعاتنا، بل في الطريقة التي نستجيب بها لهذه الهيمنة. فهناك فرق بين أن تكتب من داخل الحدث وأن تذوب فيه، بين أن تمنحه صوتاً وأن تفقد صوتك. وهذا التوازن دقيق، يحتاج إلى يقظة مستمرّة، لأنّ الكتابة التي تنساق بالكامل وراء الحدث تفقد قدرتها على مساءلته، وتتحوّل إلى إعادة إنتاج له، حتى لو كانت تظنّ أنّها تنتقده.
أفكّر أحياناً أنّ الكتابة، في مثل هذه اللحظات، تشبه المشي على حافَة حسّاسة، فلا يمكنك أن تتجاهل ما يحدث، ولا أن تستسلم له بالكامل. تحتاج إلى أن تقترب بما يكفي لتفهم، وأن تبتعد بما يكفي لترى. وهذه المسافة ليست سهلة، لأنّها تتطلّب شجاعةً من نوع خاص، شجاعة أن تكتب وأنت تعرف أن ما تكتبه قد لا يكون مريحاً، ولا منسجماً مع المزاج العام، لكنّه صادق معك.
وأنا أكتب الآن، أدرك أنّ محاولتي للخروج من سياق الحرب قد قادتني إليها مرّة أخرى، لكن من زاوية مختلفة. لم أعد أكتب عن الحرب بوصفها حدثاً فقط، بل عن أثرها في الكتابة نفسها، عن الطريقة التي تعيد بها تشكيل علاقتنا بالكلمة، وعن القلق الذي تزرعه في داخلنا ونحن نحاول أن نكتب. وربّما هذا هو المخرج الممكن: أن نحوّل هيمنتها إلى مادة للتأمل، لا إلى قيد يختزلنا.
ولا أظنّ أنّ الكاتب يملك رفاهية الاختيار الكامل بين أن يكتب ما يعيشه أو ما يريده، لأنّ الاثنَين يتداخلان على نحو معقَّد. ما نعيشه يتسلّل إلى ما نريد، وما نريده يعيد صياغة ما نعيشه. وبين هذا وذاك، تبقى الكتابة محاولةً مستمرّةً للنجاة، ليس من الحدث وحده، بل من أن نفقد أنفسنا داخله.

أخبار ذات صلة.
إيران تستهدف ناقلات النفط في الخليج
الشرق الأوسط
منذ 7 دقائق
العراق يكمل «العقد العربي» في مونديال 2026
الشرق الأوسط
منذ 16 دقيقة