الهواتف الأرضية... أجهزة وذكريات تكاد تختفي من منازل العراق
عربي
منذ ساعة
مشاركة
كان العراق من أوائل الدول العربية التي أدخلت الخدمات الهاتفية إلى الاستخدام الحكومي والمدني، لكن الهاتف الأرضي بات قطعة ديكور في منازل العراقيين، رغم أنهم يحتفظون بذكرياته. لم يعد العراقيون يتواصل بعضهم البعض عبر الهواتف الأرضية، إذ تلاشت الخدمة، أو تكاد، نتيجة دخول شركات الهاتف النقال إلى الخدمة بعد الغزو الأميركي في عام 2003، التي كانت ممنوعة أمنياً قبل ذلك التاريخ، لكن لا يزال كثير من العراقيين يحتفظون بالهواتف القديمة رغم أنها خرجت عن الخدمة، بل أن كثيراً منهم ما يزالون يحفظون الأرقام، والتي كان لها مكانة كبيرة في عقود سابقة. وتعرضت خدمات الاتصالات العراقية إلى امتحانات كثيرة نتيجة الحصار الرقمي، وتداعيات القصف، إذ تعرضت بدالات الهواتف الأرضية إلى القصف خلال "حرب الخليج" في عام 1991، وفي عملية "عاصفة الصحراء" التي قادها التحالف الدولي، واستهدفت الطائرات الأميركية والبريطانية خلالها البنى التحتية العراقية، بما فيها شبكة الاتصالات بهدف شلّ منظومة القيادة والسيطرة والاتصالات التابعة للنظام، لتدمر المنظومة على نحوٍ كبير، ثم تكرر القصف الأميركي لشبكة الاتصالات خلال الغزو في 2003، خصوصاً في العاصمة بغداد والمدن الرئيسية. وأعلنت وزارة الاتصالات العراقية في عام 2025، عودة الهاتف الأرضي إلى العمل من خلال مشروع الألياف الضوئية، لكن ذلك لم يتحقق رغم إنفاق الحكومات المتعاقبة مبالغ طائلة على ترميم الشبكة لإعادة تشغيل الهاتف الأرضي، الذي بات يقتصر عمله على الوزارات والمؤسّسات الحكومية. وللهواتف الأرضية ذكريات لدى أجيال السبعينيّات والثمانينيّات في العراق، إذ ارتبطت بقصص مجتمعية رائجة مثل إطالة سلك الهاتف، ودليل الأرقام، ورموز المدن والمحافظات، وصولاً إلى ترقب أخبار الحرب. من حي الأعظمية في بغداد، تقول أم عمر لـ"العربي الجديد": "لا زلت أحتفظ بهاتفي الأرضي الذي اشتريته في ثمانينيّات القرن الماضي، وآخر أحدث منه اشتريته في نهاية التسعينيّات، لكنّني لا أستخدم أيهما. فقط أحتفظ بالهاتفَين كذكرى. الهواتف المحمولة قضت على الهواتف الأرضية، ولم يعد أحد يستعملها". وتضيف أم عمر: "ترتبط الهواتف الأرضية في ذاكرة العراقيين بالمناسبات الهامة، فحين كان الهاتف يرن، فإنّ هناك خبراً هاماً، على عكس الوضع الحالي، إذ يستخدم الناس الهواتف للتواصل من دون سبب أحياناً. التطور مهم، لكنه أنهى الحالة العاطفية التي كانت ترتبط بالهواتف في السابق". بدوره، يشير العراقي حمزة الدبس، إلى أن "الهواتف المحمولة ووسائل التواصل الاجتماعي غيرت البنية الاجتماعية العراقية، إذ لم يعد التلفاز والهاتف الأرضي يجمعان العائلة كما في الماضي، إذ صار لكل واحد هاتفه الخاص"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "رنين الهاتف الأرضي القديم كان يمثل طقساً من الفضول الإيجابي، قبل أن نتحوّل إلى ثقافة الإشعار الفوري، مع العلم أن المكالمات عبر الهاتف الأرضي كانت أكثر استقراراً من ناحية جودة الصوت مقارنة بالشبكات الخلوية، كما كانت أقل عرضة للاختراق أو التجسّس". من الأنبار غربي العراق، يتذكر الستينيّ أكرم المشهداني رقم هاتفه الأرضي حتّى اليوم، رغم أن الهاتف لا يعمل منذ سنوات، ويقول إنه يستخدمه رقماً سرياً في التطبيقات الذكية كونه لا يمكن أن ينساه، ويضيف: "كان والدي يملك قفلاً صغيراً يضعه في (عتلة) جهاز الهاتف الدوارة حتى يضمن أننا لن نستخدم الهاتف ليلاً للاتصال بالأصدقاء والمعارف، حينها كانت للاتصالات كلفة كبيرة، وكنا نحاول اقتناص الفرصة لاستخدام الهاتف. وجود الهاتف الأرضي كان بمثابة هوية للمنازل وأهلها، وكان هناك تنافس على اختيار الأرقام المميزة أيضاً، وفشل الحكومة في إعادة الهواتف الأرضية إلى العمل جزء من حالة الفساد التي أضرت بكل شيء في البلاد". ويؤكد المهندس عاصم محمد، أنّ "الهاتف الأرضي له ذكريات جميلة لا ينساها غالبية العراقيين ممّن استخدموه عقوداً، رغم أنه كان مرتبطاً بمكان ثابت، ولا يواكب الحركة مثل المحمول الحالي، بينما الهواتف الذكية أدت إلى سهولة التواصل أثناء الحركة، لذا من الصعب أن يعود الناس مجدداً إلى استخدام الهاتف الأرضي. هذا حال التطور الطبيعي، وقد أدى إلى وفاة الكثير من الأجهزة والتقنيات الرائجة قديماً". ويوضح لـ"العربي الجديد"، أن "الحكومات العراقية المتعاقبة أهملت ملف الاتصالات العمومية، وأخذت تدعم شركات الهواتف الخلوية، كما اختارت الاستثمار بالألياف الضوئية وتجاهل صيانة الشبكات النحاسية للهواتف التقليدية، التي تأثرت بفعل الضربات الجوية من الاحتلال الأميركي خلال فترة احتلال العراق".

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية