عربي
بعد مرور ستة أشهر على بدء العمل بقانون العقوبات البديلة في المغرب، تتردد أسئلة عدة حول مدى نجاح المؤسسات القضائية والسجون في تطبيق تلك العقوبات، وتحويل النص القانوني إلى واقع يلمسه المواطن. ويتجاوز عدد السجناء في المغرب 100 ألف سجين، في حين تقدر الطاقة الاستيعابية للسجون بنحو 65 ألفاً، ما يضع نظام السجون أمام تحديات كبيرة. يضاف إلى ذلك الرقم آلاف الأشخاص الذين يقضون فترات متباينة في السجون من دون صدور حكم قضائي بحقهم لاستكمال مرحلة التحقيق، أو انتظار المحاكمة.
ويُعرّف القانون العقوبات البديلة بأنها تلك العقوبات التي يُحكم بها بدلاً من العقوبات السالبة للحرية في الجرائم التي لا تتجاوز عقوبة المحكوم بها سنتين سجناً، وتخوّل تنفيذ المحكوم عليه التزامات مفروضة في مقابل حريته، وفق شروط تحددها المحكمة. وتتوزع العقوبات البديلة على أربعة أنواع، أولها العمل للمنفعة العامة، والثانية أداء غرامة مالية تُحددها المحكمة عن كل يوم من المدة السجنية المحكوم بها، وتقدرها المحكمة بحسب الإمكانيات المادية للمحكوم عليه، وخطورة الجريمة المرتكبة. ويمكن للأحداث أيضاً الاستفادة منها، والعقوبة البديلة الثالثة تشمل المراقبة عبر السوار الإلكتروني، وفي الرابعة يقترح القانون تقييد بعض الحقوق، وفرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية.
وبلغ عدد المدانين الذين نفذت بحقهم العقوبات البديلة حتى 11 فبراير/ شباط الماضي، 1392 مداناً، مع تسجيل 85 حالة امتناع، وفق ما أورد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي، رداً على سؤال برلماني. وتوزعت تلك العقوبات البديلة على 626 غرامة يومية، و466 عقوبة عمل لأجل المنفعة العامة، و285 حالة تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو تأهيلية أو علاجية، و15 حالة مراقبة بالسوار الإلكتروني.
وأوضح وزير العدل أن المعطيات الإحصائية تشير إلى اعتماد القضاء للعقوبات البديلة مع تفاوت في نوع العقوبة، مؤكداً أن اختيار العقوبة البديلة يخضع لسلطة المحكمة التقديرية بحسب كل حالة بناء على معايير وقواعد العقاب المنصوص عليها في القانون الجنائي وقانون العقوبات البديلة.
وشهدت الأسابيع الماضية نقاشات مغربية حول محدودية تطبيق العقوبات البديلة من جراء نقص الموارد أو ارتفاع الكلفة، وكان لافتاً نفي المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج مسؤوليتها عن محدودية تطبيق عقوبة السوار الإلكتروني، مؤكدة أن الأمر لا يرتبط بالجاهزية التقنية أو البشرية، بل بعوامل أخرى مرتبطة بتفعيلها داخل المنظومة القضائية.
وأوضحت المندوبية في بيان، صدر في 25 مارس/ آذار الماضي، أنها اتخذت كل التدابير اللازمة قبل دخول قانون العقوبات البديلة حيز التنفيذ، بما يشمل إحداث منصة وطنية للتتبع الإلكتروني تعمل على مدار الساعة، وأكدت توفير الموارد البشرية الكافية، وإبرام عقود مع شركات متخصصة لتأمين الأساور الإلكترونية، إلى جانب تدريب الموظفين، وإعداد دليل عملي لضبط الإجراءات.
من جانبه، يؤكد رئيس العصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان (غير حكومية)، بوبكر أونغير، لـ"العربي الجديد"، أن تطبيق العقوبات البديلة لا يزال بطيئاً، وانتقائياً، ويثير إشكاليات عملية تتعلق بالسلطة التقديرية الكبيرة المعطاة للقضاة، لكنه يشير إلى أن "القانون خطوة إيجابية في مسار احترام حقوق الإنسان، وإقرار إصلاح جنائي حقيقي يمكن من محاربة اكتظاظ السجون، والاستفادة من مؤهلات السجناء للقيام بأعمال".
ويقول رئيس الرابطة المغربية لحقوق الإنسان (غير حكومية)، إدريس السدراوي، إن "مرور ستة أشهر على بدء العمل بنظام العقوبات البديلة لا يكفي لإصدار تقييم شامل بالنظر إلى الإكراهات المرتبطة بالتفعيل". ويوضح لـ"العربي الجديد": "غياب معطيات وإحصائيات رسمية دقيقة يُصعّب من عملية التقييم الموضوعي لمدى نجاعة هذه الآلية، واستمرار ظاهرة اكتظاظ السجون يطرح تساؤلات جدية حول مدى فعالية العقوبات البديلة في تحقيق أهدافها، ومن بينها تحسين شروط الاحتجاز".
ويعبر الناشط الحقوقي عن قلقه من ارتفاع الكلفة المادية المرتبطة بتفعيل العقوبات البديلة، الأمر الذي قد يُفرغ القانون من بعدها الاجتماعي، ويحدّ من إمكانية الاستفادة منه، ما يطرح إشكالية العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. وينبه إلى غياب التأهيل الكافي لآليات استقبال الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن منظومة العقوبات البديلة، ما يشكل تمييزاً، ويتعارض مع الالتزامات الوطنية والدولية. ويؤكد السدراوي أن "نجاح العقوبات البديلة يظل رهيناً بإرادة إصلاح حقيقية تقوم على التقييم المستمر، واحترام حقوق الإنسان، وضمان العدالة للجميع".

أخبار ذات صلة.
واشنطن تطرح انسحاباً «سريعاً» وضربات خاطفة
الشرق الأوسط
منذ 34 دقيقة