عربي
تتفشى أمراض جلدية متعددة، بعضها خطرة، في أنحاء قطاع غزة، من بينها أمراض كان يمكن السيطرة عليها بسهولة في الظروف الصحية المستقرة، لكنها أصبحت تهديداً مباشراً للحياة.
ليست الأمراض الجلدية مجرد التهابات عابرة أو حالات نادرة في قطاع غزة، بل كابوس ينهش أجساد المرضى، لا سيّما المصابين بأمراض مناعية، بفعل الحرب والنزوح المتكرر وتردي المنظومة الصحية، وخيام النزوح المكتظة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، ومع شح المياه النظيفة تتفاقم الأمراض.
وفي ظل الظروف الاستثنائية التي أوجدتها الحرب، لم تعد المشكلة في المرض وحده، بل في البيئة التي تساهم في انتشاره، إذ يتشارك الازدحام السكاني غير المسبوق مع سوء التغذية وتلوث المياه، إضافة إلى انتشار الحشرات، والنقص الحاد في الأدوية، إلى جانب مستشفيات ومراكز صحية قليلة تعمل بإمكانيات محدودة، بينما أقسام الأمراض الجلدية تستقبل حالات معقدة تحتاج إلى رعاية دقيقة.
ويجعل هذا المشهد المعقد الأطباء يلجأون إلى تحويل المرضى للعلاج بالخارج أملاً في تحسن أوضاعهم الصحية، لكن ذلك الخيار يظل قاسياً في ظل صعوبة السفر بفعل الإجراءات المعقدة التي يفرضها الاحتلال من جهة، وطول قوائم الانتظار من جهة أخرى، ليجد المرضى أنفسهم عالقين بين ألم يتفاقم وانتظار طويل لفرصة علاج قد تأتي متأخرة.
تنتشر الأمراض الجلدية نتيجة الازدحام وسوء التغذية وتلوث المياه، ويلجأ الأطباء إلى تحويل المرضى للعلاج بالخارج أملاً في تحسنهم
وفي دراسة علمية حول انتشار القوباء والجرب بين أطفال قطاع غزة، قال الهلال الأحمر الفلسطيني إنّ 409 أطفال من بين 1200 شملتهم الدراسة كانوا مصابين بأحد المرضين، ومن بين الأطفال المصابين كان 356 طفلاً مصابين بالقوباء، و150 مصابين بالجرب، و99 طفلاً (24.2%) يعانون من عدوى مشتركة.
داخل خيمة مهترئة في خانيونس، جنوبي القطاع، يستلقي إبراهيم أبو عرام (32 سنة)، على فراش المرض بفعل إصابته بمرض جلدي نادر يُعرف باسم "الفقاع الشائع"، وتتضاعف حالته الصحية يوماً بعد آخر نتيجة شح الدواء، وانتظاره فرصة تلقي العلاج خارج غزة.
يروي شقيقه أحمد أبو عرام أن المرض بدأ بحبوب صغيرة على الجلد، ثم تحولت إلى فقاعات كبيرة مملوءة بالماء لا تلبث أن تنفجر تاركةً تقرحات مؤلمة، ويقول لـ"العربي الجديد": "تملأ التقرحات جسد إبراهيم، من رأسه حتى قدميه، إضافة إلى النزيف المستمر. يحتاج شقيقي إلى متابعة دقيقة وأدوية مثبطة للمناعة، لكن شح الأدوية والنزوح المتكرر يفاقمان حالته الصحية، ويقتصر علاجه على جرعات من الكورتيزون في مستشفى ناصر الطبي".
مع مرور الوقت وتدهور الحالة الصحية لإبراهيم، تضاعفت جرعات العلاج حتى وصلت إلى عيار 160 من الكورتيزون، إضافة إلى عقاقير أخرى ومثبطات مناعية، ما أدى إلى تدهور مناعته، ويشير شقيقه إلى أن "أي عدوى بسيطة باتت تهدد حياته، وتجعله يمكث في أقسام العناية المكثفة لعدة أيام. طيلة فترة الحرب، تنقلت العائلة أكثر من عشر مرات بين مناطق النزوح، وعاشت حرارة الصيف اللاهبة، والرطوبة، وانعدام الخصوصية، وقلة المياه النظيفة، وصعوبة التعقيم، ما فاقم الحالة الجلدية لإبراهيم، والخيمة زادت الأوضاع سوءاً، فالأحوال الجوية فيها متقلبة، وجلده المكشوف عرضة للغبار والحشرات".
ويوضح أحمد: "قبل خمسة أشهر، وأثناء تلقيه العلاج في المستشفى، أُصيب إبراهيم بعدوى سحايا خطيرة نتيجة ضعف المناعة، فمكث 60 يوماً في المستشفى، من بينها 16 يوماً في العناية المكثفة فاقد الوعي، وخرج من هناك بمضاعفات خطيرة، من بينها دمامل في الدماغ، ونوبات عصبية متكررة، وجلطات، وشلل نصفي في الجهة اليمنى مع ثقل في اللسان، ورغم العلاج الطبيعي، لم يتحسن سوى بنسبة 50%. اليوم، يتأرجح وضعه الصحي بين ألم المفاصل الشديد إذا خُففت جرعات الكورتيزون، وانتفاخ كامل في الجسم إذا زادت الجرعات، ويحتاج يومياً إلى مراهم بقيمة 300 شيكل، وهي كلفة تفوق قدرة العائلة التي أنهكتها الحرب. إبراهيم يصارع الموت، ونخشى أن يفقد حياته في أي لحظة بسبب التشنجات، وقد حصلنا على تحويلتين طبيتين، لكن انتظار السفر طال، بينما يتدهور جسده يوماً بعد يوم".
في مستشفى الهلال الأحمر الفلسطيني بحي الأمل في خانيونس، يرقد الطفل إبراهيم قويدر (14 سنة)، الذي أُصيب بطلق ناري من طائرة مُسيرة من نوع "كواد كابتر" في يوليو/ تموز 2025، أثناء وجوده في ساحة مستشفى ناصر الطبي، وأصابت الرصاصة فقرته السادسة، ما أدى إلى شلل نصفي سفلي. تقول والدته نسرين عليان إن "المعاناة لم تتوقف عند الشلل، بل بدأت رحلة أخرى مع التقرحات الجلدية على ظهره، والتي انتشرت حتى وصلت إلى العظام، وفاقم ضعف التغذية وقلّة الأدوية وضعه الصحي".
وتضيف عليان متحدثة لـ"العربي الجديد": "بسبب النزيف المزمن من التقرحات، انخفض مستوى الهيموغلوبين في دمه إلى 6، ما استدعى نقل وحدات دم متكررة، كما يعاني من حرارة مستمرة وألم في الصدر والظهر، ويحذر الأطباء من مضاعفات خطيرة قد تهدد حياته. علاج التقرحات الجلدية المتوفر غير فعال، وهو يتلقاه منذ ثمانية أشهر، لكن التحسن محدود. لدينا تحويلة للعلاج بالخارج، لكن لم نتمكن من السفر حتى الآن".
الحال نفسه تعيشه الطفلة شهد الباز (7 سنوات)، التي أُصيبت خلال استهداف إسرائيلي أمام مستشفى العودة في النصيرات بوسط القطاع، أثناء عودتها إلى مركز النزوح، ما أدى إلى إصابتها بحروق من الدرجتين الثالثة والرابعة في الوجه والرقبة والكتفين، نُقلت على أثرها إلى مستشفى منظمة "أطباء بلا حدود".
بعد مرور أربعة أشهر على الإصابة، ظهرت على جسد شهد طبقة جلدية سميكة، كما يقول والدها إسماعيل الباز، وأخذت تنتشر في مناطق متفرقة من جسدها، وهو مرض نادر يُعرف باسم "الجلد المتوحش". ويوضح الأب لـ"العربي الجديد"، أن "تفشي الحروق في جسدها أدى إلى تمزق في الأنسجة، وظهور تقرحات منتفخة، والتهابات شديدة تتضاعف يومياً بسبب عدم توفر العلاج اللازم في قطاع غزة، لديها تحويلة طبية للعلاج في الخارج، ولا تزال تنتظر دورها للسفر".
ويؤكد الباز أن "استمرار شهد على هذه الحال بلا علاج قد يؤدي إلى تدهور حالتها الصحية، خصوصاً مع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، والتي تتسبب بزيادة الانتفاخات الجلدية. أقر الأطباء بضرورة تحويلها إلى دولة أوروبية من أجل تلقي العلاج لأنها تحتاج إلى عمليتين جراحيتين دقيقتين، الأولى لإزالة الجلد الوحشي، وبعدها بستة شهور عملية ليزر لتغطية التقرحات الجلدية وضم الجلد بعضه إلى بعض. شهد معها تحويلة منذ 14 سبتمبر/ أيلول الماضي، ولا تزال تنتظر على قوائم السفر، وأتمنى أن يتم تعجيل سفرها كي تتلقى العلاج المناسب قبل فوات الأوان".
وقبل أيام، توفي الشاب محمد ضبان (21 سنة)، نتيجة إصابته بمرض جلدي نادر يُعرف باسم متلازمة "ستيفن جونسون"، استمر لأكثر من ثمانية أشهر، وتسبب المرض في طفح جلدي حاد وظهور فقاعات وتقرحات خطيرة في مختلف أنحاء جسده، إضافة إلى إصابة الأغشية المخاطية في الفم والعينين والمناطق التناسلية، وكان يعاني من ارتفاع شديد في درجات الحرارة وضيق في التنفس وعدم القدرة على النوم أو تناول الطعام.
من جهته، يؤكد استشاري الأمراض الجلدية والتناسلية شفيق الخطيب أن الازدحام السكاني الشديد في مراكز النزوح، وتلوث المياه، وسوء التغذية، كلها عوامل رئيسية في تفشي الأمراض الجلدية. ويوضح الخطيب لـ"العربي الجديد"، أن "بعض الحالات النادرة مثل (متلازمة ستيفن جونسون) قد تنتج عن حساسية شديدة لأدوية معينة، أو التهابات فيروسية متكررة. الأعراض تبدأ بحمى شديدة، ثم تظهر حبوب وفقاعات في الفم واللسان، قبل أن تنتشر إلى الجسم كله، مصحوبة بغثيان وإرهاق عام. هذه الحالات تحتاج إلى إدخال فوري للمستشفى لأنها قد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة قد تنتهي بالوفاة".
ويضيف الطبيب الفلسطيني أن "الأمراض المزمنة، مثل الفقاع الشائع، كان علاجها متوفراً في السابق، لكن النقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية حال دون السيطرة عليها. كنا نشهد حالة أو حالتين في الشهر، واليوم تزداد الأعداد بسبب الازدحام وقلة النظافة، كما أن تلوث المياه وغياب التعقيم وانتشار الحشرات لا يؤدي فقط إلى أمراض جلدية، بل إلى نزلات معوية، أو التهاب الكبد الوبائي، وأمراض أخرى تزيد العبء على جهاز صحي منهك بالفعل".
