الأردن: ما بعد استيعاب الصدمة الأولى للحرب والإجراءات التقشفية
عربي
منذ يوم
مشاركة
يعلن رئيس الوزراء في الأردن، جعفر حسّان، إجراءات لترشيد استهلاك الطاقة، وعن إجراءات إضافية للحد من الاستهلاك، وشد الأحزمة، مهيئاً الشارع الأردني ربما لمزيد من الإجراءات خلال المرحلة المقبلة إذا استمرت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وما سيرافقها من ارتفاع في الأسعار وانقطاع إمدادات الغاز من البحر المتوسط والتي تستخدم لتوليد الكهرباء. قبل ذلك بيوم، يعلن الوزير مهند شحادة رئيس الفريق الاقتصادي في الحكومة الأردنية أنه لا يوجد اختلال في سلاسل التزويد للمملكة، ولكن يجب التحوط واتخاذ إجراءات استثنائية للتعامل مع هذا الظرف، دون الإفراط في التحذير لتجنب حالة من القلق المتنامي، سواء في ما يخص بعض القطاعات الحساسة أو بعض السلع الغذائية. وحتى الآن لا يوجد نقص لأي من السلع أو ارتفاعات في الأسعار؛ فالاعتماد على المخزون، حتى الآن، ساعد في حالة الاستقرار، والتخوف الحقيقي هو من إطالة أمد الحرب، وهو ما يعني أن الإجراءات "التلطيفية" ستصبح ذات كلفة أعلى لن تتحملها الخزينة المثقلة بأعبائها وعجزها، إذ إن انقطاع الغاز واللجوء إلى مصادر بديلة سواء الديزل أو شراء الغاز من السوق الدولي يعنيان كلفاً إضافية ستتجاوز نصف مليار دولار حتى نهاية العام، وفقاً لتقديرات وزير الطاقة الأردني صالح الخرابشة، وهذا ما لا تستطيع تحمله خزينة الدولة.  من جهتهم، يراقب الأردنيون الحرب باهتمام كبير من وراء شاشات التلفزة، ونال الأردن نصيبه من الصواريخ التي عبرت أجواءه وبعض المقذوفات التي سقطت على بعض المناطق في الأردن، ولكن تلك الاعتداءات لم تصل إلى حد تعطيل الحياة اليومية أو الجامعات والمدارس، ويتعامل الناس مع أصوات الإنذارات بشكل طبيعي دون فزع أو حتى احتياطات، لكن الشارع يدرك أن الأردن يعتمد بشكل كبير على الطاقة المستوردة بنسبة لا تقل عن 80% من احتياجاته، ويدرك أن الأسعار المرتفعة ستنعكس على المستهلك النهائي، وهو ما سيغذي معدلات التضخم المتواضعة على مدى السنوات الماضية والتي لم تتجاوز 3% بفضل سياسة نقدية حصيفة قادها البنك المركزي بشهادة المؤسسات الدولية، أما موجة التضخم المتوقعة فهي مرتبطة بعناصر كلفة خارجية تمليها ظروف إقليمية وعالمية وتطاول معظم دول العالم.  ولحسن حظ الأردن فإنه يستورد جزءاً كبيراً من المشتقات النفطية عن طريق شركة أرامكو السعودية ومن خلال ميناء العقبة المطل على البحر الأحمر، وهناك كميات تأتي عن طريق البر من العراق، لذلك لن يواجه الأردن مشكلة في تأمين مصادر الطاقة بعيداً عن المناطق الملتهبة، ونجح الأردن خلال السنوات الأخيرة في تعزيز إنتاجه من الطاقة المتجددة سواء من الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح والصخر الزيتي، وساهم بذلك في تنويع مصادر التزود والتوليد والتي تعتبر أحد أسس أمن الطاقة، لكن النسبة الأكبر ما زالت مستوردة بالعملات الصعبة.  إن موجة تضخم متوقعة مدفوعة بارتفاع التكاليف مع نسبة البطالة المرتفعة بين أوساط الشباب تتجاوز الـ 20% تفرض تحدياً إضافياً على صناع السياسة، فالأردن يطبق برنامجاً للإصلاح الاقتصادي برعاية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهذا البرنامج يتضمن إجراءات متشددة وتضييقاً في مجال النفقات العامة المطلوبة للتكيف مع المستجدات، وهذا يثير التساؤلات حول مسار السياسات العامة خلال الفترة المقبلة، وهل سيستمر العمل بالبرنامج ضمن قيوده التقليدية، أم سيكون هناك هامش للمناورة. ويُعتبر تأثر الأردن من الأحداث الجارية مباشراً، فبالإضافة إلى الحيز المالي الضيق، فإن ميزان المدفوعات ومصادر العملات الأجنبية تتأثر بعاملين أساسيين لهما ارتباط بالأحداث الجارية، إذ تُعتبر السياحة أحد أهم القطاعات الاقتصادية المولدة للعمالة والدخل الأجنبي، وهي من أكثر القطاعات حساسية لما يجري من أحداث وتم إلغاء آلاف الحجوزات بعد تفاؤل قصير المدى أعقب توقف العدوان الإسرائيلي على غزة ولو ظاهرياً، كذلك تعتبر تحويلات العاملين الأردنيين من الخليج أحد المصادر المهمة التي ستتأثر بما يجري من أحداث وغياب للاستقرار في المنطقة. يضاف لذلك تأثر صادرات الأردن من السلع الزراعية وحالة الحظر على التصدير الذي فرض في إحدى أفضل فترات الموسم. انتقالاً إلى موضوع المياه يقبل الأردن على تنفيذ أحد أكبر مشاريعه الاستراتيجية المعروف بـ"الناقل الوطني"، هذا المشروع الذي يقوم أساساً على تحلية المياه في مدينة العقبة في أقصى الجنوب ونقلها عبر أنابيب إلى مراكز الاستهلاك الرئيسية في العاصمة عمان ومحيطها، ويحتاج هذا المشروع الضخم إلى استقرار سياسي وتمويل ضخم وفترة زمنية لا تقل عن ثلاث سنوات، وبالنظر إلى الأحداث الجارية فإن الكلف المرتبطة بهذا المشروع الضخم مرشحة للارتفاع وبما يرافقها من تعقيدات لوجستية ربما من المبكر الحديث عنها، ولكن لا يمكن تجاهلها خلال المرحلة الحالية، لا سيما وأن وضوح الرؤية يعتبر شرطاً مسبقاً لنجاح هذا النوع من المشاريع التي تتداخل فيها العوامل المالية بالسياسية والجغرافية. حتى الآن، استوعب الأردن ومؤسساته آثار الصدمة الأولى اقتصادياً لتداعيات الحرب، ولكن استمرارها لفترة أطول سيوجب اتخاذ إجراءات تتجاوز الترشيد، ومن المرجح أن تنعكس على أسعار معظم السلع المستوردة والمنتجة محلياً. هنا سينتقل الجدل من حالة الانقسام حول الحرب ومبرراتها وزجّ بعض الدول فيها عنوة إلى الحديث عن نتائج مباشرة مرتبطة بقرارات الاستهلاك والاستثمار التي بدأت للتو بالتحسن، ولكن اندلاع الأحداث وإن كان بعيداً عن الحدود انعكس سلباً على المزاج العام وآفاق الاستثمار ولمس قطاعات حيوية تستحوذ على الكثير من الجدل حول الخيارات الاستراتيجية في مجالات الطاقة والاعتماد على الخارج وتنويع مصادر التزود، المياه والحاجة لمشاريع استراتيجية لضمان استدامتها وتأمينها والنقل الذي يعتبر رافعة لبقية القطاعات لا ينطلق بمعزل عن بقية النشاطات الاقتصادية وحالة الاستقرار.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية