عربي
شهدت الأربع والعشرون ساعة الماضية تصعيداً إسرائيلياً دامياً في لبنان، شمل مناطق عدّة، في البقاع والجنوب، إلى جانب الضاحية الجنوبية لبيروت، ومار روكز - الدكوانة في المتن، ومنطقتي الجناح وخلدة جنوبي العاصمة، ما أسفر عن سقوط عددٍ من الشهداء والجرحى، وذلك في وقتٍ تواصل إسرائيل توغلاتها البرية، وتؤكد بقاءها جنوب الليطاني بعد انتهاء العملية.
ولعلّ التطوّر الأبرز سُجّل مع قرار الجيش اللبناني إعادة التموضع والانتشار في عددٍ من الوحدات على مستوى بلدات حدودية جنوبية، مثل رميش، وعين إبل، وهما من البلدات المسيحية، ما دفع أهاليها إلى رفع الصوت ومطالبة الجيش بالبقاء لحمايتهم. إذ شدّد كاهن رعية رميش الأب نجيب العميل على تمسّك أهالي البلدة بأرضهم، مؤكداً أنهم يفضّلون "الموت والبقاء" في رميش على مغادرتها "والذهاب إلى قصور خارجها"، مناشداً بعدم بعدم تركهم بالقول: "أرجوكم لا تتركونا فنحن لبنانيون وسنبقى لبنانيين، وسنموت لبنانيين".
واستذكر أهالي هذه البلدات مشهدية احتلال قراهم خاصة بين أعوام 1985 و2000، وكيف تخلّت الدولة اللبنانية عنهم، وعجزت عن حمايتهم، متمنّين عدم تكرار التاريخ اليوم، وتركهم لمصيرهم. ويأتي إخلاء الجيش اللبناني لمراكزه في ظلّ تقدّم الاحتلال الإسرائيلي إلى نقاط في العمق الجنوبي، ومع ارتفاع منسوب الاعتداءات على مراكزه، ومراكز تابعة لقوات الأمم المتحدة المؤقتة (يونيفيل)، بحيث يؤكد أهالي بلدة رميش أن الاحتلال بات يتمركز بمحيط البلدة، وتتعرّض أطرافها لقصف إسرائيلي، داعين يونيفيل إلى التمركز في البلدة بديلا مؤقتا في ظلّ مغادرة الجيش اللبناني.
الجيش اللبناني يعلن "إعادة انتشار" جنوبا جراء التصعيد الإسرائيلي
وأعلن الجيش اللبناني، الأربعاء، تنفيذ عملية "إعادة تموضع وانتشار" لعدد من وحداته العسكرية في المناطق الحدودية الجنوبية، على خلفية تصعيد العدوان الإسرائيلي. وقالت قيادة الجيش، في بيان، إن الخطوة جاءت نتيجة "تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولا سيما في المناطق التي تشهد توغلا معاديا في محيط البلدات الحدودية الجنوبية". وأوضحت أن التصعيد الإسرائيلي أدى إلى "محاصرة وحدات الجيش المنتشرة وعزلها وقطع خطوط إمدادها". وأضافت أن الجيش "نفذ عملية إعادة تموضع وانتشار شملت عدداً من هذه الوحدات"، دون تقديم تفاصيل إضافية عن مواقع الانتشار الجديدة. وأكدت أنها تواصل الوقوف إلى جانب السكان "وفق الإمكانات المتاحة"، مشيرة إلى الإبقاء على مجموعة من العسكريين داخل تلك البلدات.
وقال مصدر عسكري في الجيش اللبناني لـ"العربي الجديد"، إن "إعادة التموضع تحصل تبعاً للتطورات في كل بلدة وموقع، والقرار الآن جاء في ظلّ تقدم قوات العدو الإسرائيلي في عددٍ من البلدات، لكنْ هناك انتشار لعددٍ من الألوية العسكرية في منطقة جنوب نهر الليطاني، إلى جانب الانتشار على صعيد شمال نهر الليطاني.. كل قرار يبقى رهن التطورات". وأشار المصدر إلى أن "التحديات اليوم كبيرة جداً، والمؤسسة العسكرية تبذل كل جهدها وفق الإمكانات المحدودة لضمان أمن الأهالي وسلامتهم".
ويدفع أهالي البلدات المسيحية، منها دبل ورميش وعين إبل، ثمن صمودهم، بحيث تعرّضت أراضيهم لأكثر من استهداف، أسفرت عن استشهاد عدد من المواطنين وجرح آخرين، وذلك في وقت، يعاني فيه السكان المصرين على عدم مغادرة بلداتهم من صعوبات في الحصول على المواد الأساسية، لا سيما على صعيد المحروقات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالوصول إلى الخدمات الاستشفائية، ما دفعهم إلى المطالبة بإنشاء مستشفى ميداني.
في الإطار، وصفت الناشطة الحقوقية السياسية وابنة بلدة رميش، فيرينا العميل، لـ"العربي الجديد"، مشهد مغادرة الجيش اللبناني بـ"المحزن"، وأضافت "هناك مخاوف أمنية، لكن هناك رمزية معنوية مرتبطة بوجود الجيش وفكرة الدولة، في هذه البلدات، هذه خسرناها، وكأننا نترك اليوم لمصيرنا، مقابل وجود فكرة الاحتلال"، مشيرة إلى أن "الوضع اليوم أدق وأصعب"، وتحدثت عن مساع إسرائيلية لتهجير السكان لإقامة أراض خالية ومنطقة عازلة على الرغم من ضمانات السفارة البابوية أو تشجيعها على البقاء، معتبرة أن "بقاء أهالي بلدات رميش ودبل وعين إبل والقرى الصامدة في قضاءي حاصبيا ومرجعيون وقرى العرقوب وشبعا، هم ضمانة لعودة أهالي باقي القرى بعد الحرب، لكن مقومات الصمود تتراجع وباتت أقلّ".
وتشير العميل إلى أن "الطلب والتنسيق مستمرّ مع وزارة الشؤون الاجتماعية للحصول على الإمدادات الأولوية من مواد غذائية ومازوت وأدوية، لكن الصعوبات عدة، منها أن هناك طريقاً واحداً سالكاً الآن، وهو عبر برج قلاويه، خاصة بعدما استهدف الإسرائيلي جسر القاسمية، والمخاوف اليوم من مزيد من الاستهدافات للطرق الرئيسية". وتلفت العميل في الوقت ذاته إلى وجود مواد غذائية في البلدات مع تسجيل نقص في الوقود، مشيرة إلى أن "الوضع الصحي صعب أيضاً في ظلّ عدم وجود مستشفيات قريبة، خاصة بعد استهداف إسرائيل لمستشفى بنت جبيل، بحيث بات أقرب مستشفى هو في صور"، داعية إلى إقامة مستشفى ميداني أو مستوصف أو مختبرات لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية على الأقل.
وشدّدت العميل على أن الجيش اللبناني لا يتخذ قرار الحرب والسلم، ولا يُحمّل المسؤولية اليوم، لكنها دعت إلى أن يكون آخر من يغادر في ظل صمود نحو 11 ألف نسمة في أرضهم، ولا سيما أن هذه القرى متمسكة بالشرعية وسبق أن قاومت الاحتلال ورفضت السلاح خارج إطار الدولة. وتشير العميل إلى أن "ما يحصل اليوم، حتماً يذكّرنا بمراحل تاريخية أليمة، وبالاجتياحات الإسرائيلية منها عام 1978 و1982 وبين 1985 و2000، ومع تراجع مؤسسات الدولة عن مناطق الأطراف والقرى الحدودية إبّان الحرب الاهلية عام 1975، فهؤلاء الأهالي عشوا في ظل الاختلال بغياب تام للدولة"، لافتة إلى أن مغادرة قوات حفظ السلام يعد خطرًا أكبر، في ظل إمكانية أن يمنع وجودهم الفراغ الكامل مع انسحاب الجيش.
من جانبه، قال النائب عن الجنوب عبد الرحمن البزري، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن الجنوب يتعرض لاعتداءات واسعة وقصف ونسف يدمّر البنية التحتية والمنازل ومقومات الحياة في بعض المناطق، ما ينذر بتداعيات أمنية وعسكرية واجتماعية وإنسانية، مع احتمال استمرار هذه الهجمات وامتدادها لفترة طويلة. وأضاف أن الجيش اللبناني يبقى المؤسسة المعوّل عليها لحماية البلاد، رغم خطورة الوضع، معربًا عن أمله في أن تتمكن الدولة من احتضان المتضررين، سواء الصامدين في قراهم أو النازحين إلى مناطق أخرى، عبر توفير الرعاية الاجتماعية والصحية وتأمين مراكز إيواء مناسبة.
ويلفت البزري إلى أن مخاطر تحدث بلبنان منها الانقسام الداخلي، داعيا الجميع إلى الاتفاق على رفض العدوان والوحدة بين جميع اللبنانيين. وأضاف "يجب أن نحتضن كل الشعب اللبناني، وأهلنا وأخواننا اللبنانيين الذين اضطروا للنزوح عن مناطقهم أو صمدوا وقرّروا البقاء فيها، هؤلاء هم مسؤوليتنا جميعاً ومسؤولية الحكومة اللبنانية".
وحول واقع التوغل البري، خاصة في ظلّ غياب أي بيانات رسمية أو أمنية بشأن العمق الذي وصل إليها الجيش الإسرائيلي جنوباً والنقاط الجديدة التي احتلها، يشير البزري إلى أن "كل ما نحصل عليه هو من وسائل إعلام سواء محلية أو إقليمية أو دولية، واضح أن هناك عملية عسكرية كبيرة وعدوانا واسعا على مناطق وقطاعات متعددة في الجنوب، سواء الشرقي أو الأوسط أو الغربي، وممكن أن يشمل مناطق أكثر مستقبلاً"، مضيفاً "صحيح أن الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها العسكرية والأمنية ليست جزءاً من المواجهة العسكرية لكن من المفترض بالحكومة أن تبقي المواطنين على اطلاع وأن تتابع تحركات العدو وتواكب التداعيات وتبعات التوغل".
وعبّر البزري عن خشيته من محاولة الاحتلال الإسرائيلي تغيير أو كل التفاهمات التي حدثت في الماضي أو نقصها أو إبطالها، وفرض خارطة جديدة على المنطقة، مشددا على أن "التمسك الداخلي والسلم الأهلي هو الضمانة الوحيدة وليست المواثيق والعهود والوعود الدولية بالدعم".
