عربي
منذ وصول حكومة حزب العمال إلى السلطة في بريطانيا في يوليو/تموز 2024، والتحذيرات تتوالى من سياستها الضريبية المناهضة للأثرياء الأجانب التي أدت حسب تقديرات متعددة إلى تخلي كثيرين منهم عن مقارهم اللندنية. لكن يبدو أن هذه التحذيرات اتسمت بالمبالغة ولو قليلاً، فعلى النقيض منها يكشف تحليل نشرته بلومبيرغ اليوم الأربعاء، أن لندن تشهد تدفقاً متزايداً للاستثمارات من عائلات ثرية في المنطقة خلال الأشهر الثمانية عشر الماضية، ما يعزز وضع المدينة قاعدةً للمال والأعمال بعد هجرة آخرين منها.
ووفقاً للتحليل الذي استند إلى سجلات رسمية ومنشورات عبر الإنترنت، قامت شركات تدير ثروات بمليارات الدولارات من السعودية والإمارات بتوظيف مديرين تنفيذيين، وافتتاح مقار جديدة، وزيادة استثماراتها في المملكة المتحدة منذ مطلع عام 2025.
وتضم هذه المجموعة عائلة الرُستماني، التي تدير من مقرها الرئيسي في دبي أعمالاً بإيرادات سنوية تتجاوز ملياري دولار ويعمل لديها 4 آلاف موظف، إضافة إلى عائلتي بن محفوظ والسبيعي السعوديتين المؤثرتين. وفي يناير، انتقل مكتب عائلي لمجموعة بن محفوظ، إلى منطقة سانت جيمس الراقية في لندن قادماً من أطراف العاصمة البريطانية، وفقاً للسجلات.
وتنقل بلومبيرغ عن مارتن رول، الاستراتيجي العالمي في مجال الشركات العائلية والمستشار الأول لدى McKinsey & Company قوله إن: "العائلات الشرق أوسطية تتجه بشكل متزايد إلى تشغيل نماذج مكاتب عائلية متعددة المراكز، حيث تلعب لندن دوراً محورياً". وأضاف أن العاصمة البريطانية "توفّر مستوى من التنوع الدولي، قانونياً ومالياً وثقافياً، لا تستطيع سوى قلة من المدن مضاهاته".
وبحسب ما ورد في تقرير نشر على موقع شركة "بلاك بريك" العقارية في يونيو/حزيران 2023، فإنّ الاستثمارات الشرق أوسطية لعبت دوراً أساسياً في سوق العقار اللندني. وأشار تقرير آخر لشركة "سلكت بروبرتي" في إبريل/نيسان 2024 إلى أنّ الاستثمارات الخليجية في العقارات البريطانية بلغت 3.2 مليارات دولار خلال ذلك العام، أي ما يعادل نحو ثلث مبيعات العقارات الفاخرة. كما ذكرت تقارير صحفية أنّ مستثمري قطر امتلكوا عام 2006 ما يقارب ربع حي مايفير بقيمة مليار جنيه إسترليني، ما منح المنطقة لقب "ليتل دوحة".
وتعود هذه السجلات إلى ما قبل الحرب الراهنة في المنطقة، وليس واضحًا ما التغييرات التي قد تكون هذه العائلات أو غيرها في المنطقة قد أجرتها على ثرواتها. ومع ذلك، تعكس هذه التحركات أحدث المؤشرات على أن موجة من مكاتب العائلات الكبرى باتت تعمل بشكل متزايد في أكثر من نطاق جغرافي، مع نمو شركات الاستثمار الخاصة بأكبر العائلات الثرية من حيث الحجم والتعقيد.
في المقابل، قام مليارديرات مثل جون فريدريكسن وناصف ساويرس وغيلاوم بوساز أخيراً بتقليص ارتباطاتهم بالمملكة المتحدة، بعدما رفعت حكومة حزب العمال بقيادة كير ستارمر الضرائب العام الماضي على العديد من المقيمين الأثرياء. كما قامت مكاتب عائلية لبعض المغادرين بتقليص عملياتها في المملكة المتحدة، ونقل موظفين إلى الخارج، وفتح فروع جديدة في مناطق أخرى، ما أربك قطاع جذب شركات الاستثمار الخاصة بالأثرياء الذي لطالما ازدهر في بريطانيا.
وتُعد الضرائب والجغرافيا السياسية من بين أكثر الأسباب شيوعاً لانتقال مكاتب العائلات من منطقة إلى أخرى، لكن غالباً ما تكون النخب الثرية في المنطقة، التي تحولت بلدانها إلى وجهة جاذبة لمكاتب العائلات في السنوات الأخيرة، أقل تأثراً بالتغييرات الضريبية في المملكة المتحدة، إذ إنهم غالباً لا يقيمون فيها بشكل كامل، ويفضلون قضاء أجزاء من أشهر الصيف في أوروبا بسبب درجات الحرارة المرتفعة في منطقة الخليج.
وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت في أكتوبر/تشرين الأول 2024، عن نهاية نظام غير المقيمين ضريبيا (non-dom) كجزء من التحوّل إلى نظام ضريبي قائم على الإقامة، تم التشريع له في البرلمان مطلع مارس/آذار 2025، ليُطبق رسمياً اعتباراً من 6 إبريل/نيسان 2025.
وكفل نظام غير المقيمين ضريبياً للأفراد المقيمين في بريطانيا لكن يقع موطنهم الضريبي خارجها تقليص التزاماتهم الضريبية على الدخل والأرباح المتأتية من الخارج. وبموجب هذا النظام، لا تُفرض ضرائب على هذه العوائد إلا إذا جرى تحويلها إلى داخل المملكة المتحدة، ما جعل لندن مركزاً مفضلاً للنخب العالمية، بما في ذلك العاملون في القطاع المالي ورواد الأعمال ومكاتب إدارة الثروات العائلية.
وبينما تهدف هذه التغييرات إلى تبسيط النظام وزيادة الإيرادات، فقد أثارت مخاوف بشأن جاذبية المملكة المتحدة للأثرياء الدوليين، مع إعادة بعض أصحاب الثروات الكبيرة ومكاتب إدارة الثروات تقييم وجودهم في البلاد.
