عربي
فلنعترف بأنّ السياسة الدولية لن تكون على الأقل حتى 20 يناير/ كانون الثاني 2029، التاريخ المأمول لمغادرة دونالد ترامب منصبه، إلا نذالة وحقارة ووقاحة تنسي ما علق في الذاكرة من أشكال وحشية للاستعمار والإمبريالية في شكلهما البدائي. شغلُ عصابات ومجرمين ومقاولين عقاريين وشعبويين وساقطين أخلاقياً يتفاخرون بارتكاباتهم ونياتهم التوسعية، واستيلاءٌ على بلدان وثرواتها وتباهٍ بالسفالة ومجاهرة بأن الوضيع، أو الأكثر وضاعة مثل ترامب، يمكنه أن يفعل ما يريد حيث يرغب وكيفما يقرّر، طالما أن خصومه المحتملين لا يزالون يعتقدون أنهم سيخسرون في حال واجهوه أكثر من خسارتهم لو تذلّلوا له، وانحنوا أمام العاصفة، وأعطوه ما أراد، وأسمعوه ما يطربه وما يرضي نرجسيته على قاعدة أنه بعد رحيله يمكن إصلاح شيء من الأضرار التي خلّفها في هذه السنوات الكارثية.
فلنرضخ، من دون قناعة طبعاً، في سبيل تسهيل النقاش فحسب، ونقل إن السياسة لا مكان فيها للأخلاق ولا العدالة ولا الديمقراطية والمصلحة الكونية والقيم الإنسانية، ولنتحدث عنها بوصفها مجرد كبير يأكل صغيراً في غابة شاسعة، حيواناتها لا يتصرفون على الأرجح بدرجة وحشية ترامب وسفهائه. فلنتنازل ونقل إن السياسة مجرد مصالح مباشرة تُصرف نقداً، تكتيك بلا استراتيجية، ولننحدر أخلاقياً إلى مستوى الزمن الترامبي، ولنفكر وفق قوانينه ونحاول فهم كيف تواجهه إيران. وقبل أي نقاش جدي ومفيد، وجب القول إن لا شيء من الأخلاق في التردّد بتسمية هذه الحرب الأميركية ــ الإسرائيلية عدواناً إجرامياً وإرهاب دولة، وهذا توصيف لا علاقة له بالموقف من النظام الإيراني القروسطي الذي لا يجدر أن يحكم أي شعب في أي زمن وفي أي مكان. إذاً فلنناقش منطق حكام طهران في إدارة الحرب الهادفة إلى إخضاع إيران، والاستيلاء على ثرواتها، وإزالة نظامها السياسي في الحد الأقصى، أو تركها بلداً منهاراً ضعيفاً مفلساً غير مستقر أمنياً واجتماعياً مثلما تُرك نظام صدّام حسين بعد حرب 1991 بالحد الأدنى. أمام خطر وجودي بهذا الحجم، قرّرت طهران فتح حروب على بلدان الخليج، وتوزيع بضعة صواريخ على الأردن وتركيا وأذربيجان، بدل حصر جهدها وذخيرتها وصواريخها ومسيّراتها في إسرائيل وأميركا. لماذا الخليج بشكل أساسي؟ لأنه يحتضن قواعد أميركية تُستخدم في الحرب الحالية، يقول العقل الإيراني الحاكم: "لأننا لا نملك سلاحاً يصل إلى أميركا"، من دون أن يصارح العالم بنياته السياسية والطائفية والقومية والتاريخية تجاه جيرانه العرب. هو حاكم إيراني يدرك أن ليست كل القواعد الأميركية في الخليج تُستخدم في الحرب، ويكذب مثلما يتنفس حين يقول إنه يحصر قصفه على الخليج بالقواعد العسكرية الأميركية هناك وبمصالح ذلك البلد، وينافق أكثر حين يمزح في قصة أن إسرائيل وأميركا تقصفان المنشآت المدنية في الخليج لاتهام إيران بذلك. هذه المزحة السمجة كان قد توقف عن تردادها المسؤولون الإيرانيون بعدما راحوا يكرّرونها في الأسبوعين الأولين من الحرب إلى أن استأنفوا مضغها يوم الأحد الماضي بادّعاء أن إسرائيل هي التي قصفت محطة لتحلية المياه في الكويت لمحاولة الإيحاء بأنه هجوم إيراني، بحسب ما أخبرنا بيان "مقر خاتم الأنبياء" التابع للقوات المسلحة الإيرانية.
لا ينافس الاشمئزاز من ترامب وبنيامين نتنياهو، بوصفهما رمزين للشرّ ولكل ما هو قبيح، إلا الخبث الذي تمارسه القيادة الإيرانية. وسيظل صعباً فهم لماذا يتهم الحرس الثوري إسرائيل وأميركا بقصف المنشآت المدنية في الخليج طالما أنه يجاهر في بيانات رسمية شبه يومية بأنه سيقصف جامعات وشركات ومصانع ومحطات توليد طاقة وتحلية مياه ومنشآت نفطية وموانئ ومطارات، لأن أميركا وإسرائيل تقصفان مثل هذه المنشآت الإيرانية. الحاصل أن القيادة الإيرانية قررت مجاراة المستوى اللاأخلاقي واللابشري من العدوان عليها منذ البداية، أسابيع قبل إعلان الحرس الثوري انتهاء معادلة "العين بالعين" الأسبوع الماضي. والقيادة الإيرانية حين تفعل هذا، حين تستعيض عن عجزها بإصابة أهداف أميركية وإسرائيلية عسكرية وسياسية موجعة، بقصف محطات تحلية مياه وفنادق وشركات وجامعات ومنشآت نفط وغاز في بلدان لا علاقة بمعظمها بهذه الحرب مثل بلدان الخليج، سيكون ساذجاً من قبلها طلب التضامن حتى من كوريا الشمالية، وتوقّع أن يكون لها أصدقاء وحلفاء يوماً ما في زمن ما، إن بقي النظام موجوداً، وسيكون سخيفاً إقحامها مصطلحات من صنف قانون دولي وأمم متحدة وشرعية وأعراف في أدبيات دبلوماسييها وساستها.
فليقل لنا من يدير إيران إنه قرر أن بقاء نظامه أهم من أي شيء آخر، وأنه ليس أحسن أخلاقياً من عدوّه، ممثلاً ببنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، من دون استعارات أخلاقية وقانونية لا مكان لها من الصرف.
