تركيا في قلب العاصفة... عجز تجاري وضغوط الليرة يستنزفان الاحتياطي
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
تواجه تركيا تداعيات اقتصادية متزايدة نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة، في ظل ترابط عميق بين اقتصادها والأسواق العالمية، ولا سيما في مجالي الطاقة والتجارة الخارجية. فقد انعكست التطورات الجيوسياسية سريعاً على مؤشرات الاقتصاد الكلي، مع اتساع عجز الميزان التجاري بفعل ارتفاع كلفة الواردات، خصوصاً الطاقة، مقابل نمو محدود في الصادرات. في المقابل، تحرّك المصرف المركزي التركي لاحتواء الضغوط عبر حزمة من الأدوات النقدية، شملت التدخل في سوق الصرف وإدارة الاحتياطي، بما في ذلك استخدام الذهب في عمليات المقايضة لتعزيز السيولة الأجنبية. وبين ضغوط التضخم وتراجع النمو المحتمل، تحاول السلطات الاقتصادية تحقيق توازن دقيق بين الاستقرار المالي واحتواء تداعيات الصدمات الخارجية. وفي السياق، ارتفع عجز الميزان التجاري الخارجي التركي خلال شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط بنسبة 13.8%، ليصل إلى 17.4 مليار دولار، في ظل زيادة الواردات بوتيرة أعلى من الصادرات. وكشف معهد الإحصاء التركي (TÜİK)، اليوم الثلاثاء، أن قيمة الصادرات ارتفعت بنسبة 1.5% في فبراير/شباط الماضي مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، لتصل إلى 21.49 مليار دولار، في حين ارتفعت الواردات بنسبة 5.5% لتبلغ 30.80 مليار دولار. ونتيجة لذلك، ارتفع عجز الميزان التجاري الخارجي على أساس سنوي بنسبة 15.9% خلال فبراير، من 7.796 مليارات دولار إلى 9.031 مليارات دولار. وأشار المعهد إلى أن إجمالي الصادرات خلال الفترة من يناير/كانون الثاني إلى فبراير/شباط انخفض بنسبة 1.3% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إلى 41.361 مليار دولار، بينما زادت الواردات بنسبة 2.8% لتبلغ 58.776 مليار دولار، ما أدى إلى ارتفاع العجز التجاري خلال هذه الفترة من 15.306 مليار دولار إلى 17.415 مليار دولار. ارتفع عجز الميزان التجاري الخارجي على أساس سنوي بنسبة 15.9% خلال فبراير، من 7.796 مليارات دولار إلى 9.031 مليارات دولار وفي المقابل، أوضح المعهد أنه عند استثناء منتجات الطاقة والذهب غير النقدي، ارتفعت الصادرات بنسبة 4.4% خلال فبراير/شباط، من 19.099 مليار دولار إلى 19.935 مليار دولار. كما زادت الواردات، باستثناء الطاقة والذهب غير النقدي، بنسبة 12.8%، من 20.328 مليار دولار إلى 22.928 مليار دولار، ليبلغ عجز الميزان التجاري في هذه الحالة 2.993 مليار دولار خلال الشهر ذاته. وعلى صعيد الشركاء التجاريين، جاءت ألمانيا في المرتبة الأولى ضمن وجهات الصادرات التركية بقيمة 1.855 مليار دولار، تلتها المملكة المتحدة بـ1.246 مليار دولار، ثم الولايات المتحدة بـ1.238 مليار دولار. في المقابل، تصدرت الصين قائمة الدول المصدّرة إلى تركيا بقيمة واردات بلغت 4.125 مليارات دولار، تلتها روسيا بـ2.497 مليار دولار، ثم ألمانيا بـ2.211 مليار دولار. وفي هذا السياق، قال الخبير التركي علاء الدين شنكولر في حديث خاص مع "العربي الجديد"، إن تقييم الأداء التجاري خلال أول شهرين من العام قد لا يعكس الصورة الكاملة، نظراً لكونهما خارج الموسم الزراعي والسياحي. وأوضح أن المنتجات الزراعية تشكل نحو 15.3% من إجمالي الصادرات السلعية التركية، وقد تجاوزت قيمتها 36 مليار دولار العام الماضي، كما أن الموسم السياحي يسهم في زيادة الاستهلاك والتصدير. وأضاف أن تحليل بنية التجارة يظهر أن واردات الطاقة والمعادن النفيسة، مثل الذهب والفضة، تمثل السبب الرئيسي في ارتفاع العجز، رغم أن السلع المصنعة تستحوذ على نحو 93.3% من إجمالي الصادرات. وحذر شنكولر من أن استمرار الحرب في المنطقة، التي بدأت نهاية فبراير/شباط، قد يفاقم العجز التجاري، نظراً لاعتماد تركيا على استيراد نحو 95% من احتياجاتها من الطاقة، من النفط والغاز. وأشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد ينعكس سلباً على الميزان التجاري مع نهاية العام، وكذلك على أهداف الصادرات التي تسعى تركيا إلى تحقيقها، والمقدّرة بنحو 280 مليار دولار، بعدما تجاوزت صادرات العام الماضي 273 مليار دولار. كما لفت إلى أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى زيادة فاتورة الطاقة، التي تُعد مكوناً أساسياً في الإنتاج الصناعي والزراعي، إضافة إلى تأثير إغلاق المضائق والممرات المائية واضطراب سلاسل التوريد، ما قد يغيّر من بنية التجارة ليس في تركيا فحسب، بل على مستوى المنطقة والعالم. تدخلات المركزي ودور الذهب في موازاة ذلك، تباينت التقديرات بشأن حجم تدخل البنك المركزي التركي في السوق لدعم الليرة، إلى جانب تداول أرقام مختلفة حول بيع الذهب أو مبادلته بعملات رئيسية لمواجهة تداعيات الحرب. وفي هذا السياق، أوضح محافظ المصرف المركزي التركي فاتح كارهان، في تصريحات لوكالة "الأناضول"، أن استخدام المعاملات المدعومة بالذهب يُعد خياراً طبيعياً خلال الفترات التي تتطلب دعم سيولة النقد الأجنبي، مشيراً إلى أن جزءاً كبيراً من هذه العمليات يتم عبر مقايضات آجلة بين الذهب والعملات الأجنبية، ما يعني أن الذهب سيعود إلى الاحتياطيات عند استحقاقها. وأكد كارهان أن هذه السياسة تعكس عدم وجود نقص في سيولة النقد الأجنبي، وأن نظام سعر الصرف المعتمد يعمل بشكل سليم، رغم تأثير التطورات الجيوسياسية على التضخم والنمو والتجارة والسياحة. وأضاف أن المصرف اتخذ تدابير للحد من الآثار التضخمية، من بينها نظام التسعير المتدرج لمواجهة ارتفاع أسعار الطاقة. وأشار كارهان إلى أن الحرب أدت إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة، ما يخلق ضغوطاً تضخمية مدفوعة بالتكاليف، إضافة إلى تأثيرات غير مباشرة في قطاعات مختلفة. وبيّن أن زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط قد ترفع معدل التضخم بنحو 1.1 نقطة مئوية خلال عام. كارهان: المصرف المركزي سيحافظ على النظام الحالي حتى 2026، رغم الضغوط الناتجة عن خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة كما توقع أن تؤدي زيادة مماثلة إلى خفض معدل النمو بين 0.4 و0.7 نقطة مئوية، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع الطلب الخارجي، فضلاً عن تأثير حالة عدم اليقين على الاستثمار والاستهلاك. وأوضح أن ارتفاع أسعار النفط بنحو 10 دولارات قد يؤدي إلى تراجع صافي ميزان الطاقة بين 3 و4 مليارات دولار سنوياً، وقد يصل التأثير إلى 5 مليارات دولار في حال ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي. وفي ما يتعلق بسعر الصرف، أكد كارهان أن المصرف المركزي سيحافظ على النظام الحالي حتى عام 2026، رغم الضغوط الناتجة عن خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة. وأشار إلى أن المصرف اتخذ إجراءات عدة، منها تمويل السوق عند الحد الأعلى، وإطلاق معاملات بيع العملات الأجنبية الآجلة، إضافة إلى دعم سوق السندات، ما ساهم في الحفاظ على جاذبية الليرة. وأضاف أن الطلب المحلي على العملات الأجنبية بقي محدوداً مقارنة بفترات سابقة، رغم التوترات، مؤكداً استمرار التشدد في السياسة النقدية لكبح التضخم. وأشار كارهان إلى أن الهدف الأساسي من الاحتياطيات هو تعزيز الثقة في السياسات النقدية وحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية. ولفت إلى أن احتياطيات الذهب ارتفعت بشكل ملحوظ منذ عام 2016، لتتجاوز 60% من إجمالي الاحتياطيات بحلول مارس/آذار 2026. وأوضح أن استخدام الذهب في عمليات المقايضة وإدارة السيولة يُعد أداة أساسية، مؤكداً أن هذه العمليات لا تُقاس بمنطق الربح والخسارة، بل بمدى فعاليتها في دعم الاستقرار المالي. كما شدد على أن المصرف يتبع نهجاً استباقياً ومرناً في إدارة السيولة، مع إمكانية تعديل حجم وتوقيت العمليات وفق تطورات السوق. تقديرات وضغوط إضافية بدوره، قال نائب محافظ المصرف المركزي عثمان جودت أكشاي إن تركيا تواجه مرحلة من عدم اليقين العالمي، لكنها اتخذت خطوات استباقية مناسبة، مع إمكانية اتخاذ إجراءات إضافية إذا لزم الأمر. وفي سياق متصل، أشار كبير الاقتصاديين السابق في البنك المركزي علي هاكان كارا إلى أن المصرف نفذ أكبر عملية بيع احتياطي أسبوعية في تاريخه، وأن إجمالي التدخلات منذ بداية الحرب تجاوز 40 مليار دولار. وكشفت وزارة الخزانة والمالية التركية أن رصيد الدين الخارجي المضمون بلغ 19.1 مليار دولار حتى نهاية 2025، فيما بلغ الدين العام نحو 15 تريليون ليرة، وصافي الدين العام 8.564 تريليونات ليرة. كما سُجلت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي عند 13.6%، ما يعكس استمرار الضغوط المالية في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية. وفي سياق ذي صلة، كشفت وزارة المالية والخزانة بتركيا اليوم، أن رصيد الدين الخارجي المضمون من وزارة الخزانة بلغ 19.1 مليار دولار اعتباراً من 31 ديسمبر/كانون الأول 2025. وبلغ رصيد الدين الحكومي العام لتركيا، المحدد من الاتحاد الأوروبي، 15 تريليونا و14 مليار ليرة، بينما بلغ صافي رصيد الدين العام 8 تريليونات و564 مليار ليرة. وبحسب وزارة الخزانة والمالية اليوم، تم تسجيل نسبة الدين العام إلى الدخل القومي بنسبة 13.6%، كما تم تحديد رصيد الدين الخارجي المضمون من وزارة الخزانة بمبلغ 19.1 مليار دولار.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية