عربي
بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، بل عن سر عدم تدخّل البنك المركزي المصري لوقف هذا التهاوي الذي من المتوقع أن تكون له تأثيرات خطيرة بالمواطن والاقتصاد والعملة وأسواق الصرف ومعدلات الادخار والتضخم والنمو والبطالة.
والمتابع لسوق الصرف الأجنبي في مصر يجد أن سعر الدولار قفز بأكثر من 14% منذ اندلاع الحرب على إيران، واقترب السعر من 55 جنيهاً للدولار مقابل أقل من 47 جنيهاً في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي. ومن المتوقع استمرار تلك الموجة مع تأثّر الاقتصاد المصري الشديد بتداعيات الحرب، خاصة من جهة زيادة المخاطر الجيوسياسية والأمنية في المنطقة، وما صاحبها من قفزات في أسعار النفط والغاز ومشتقات الطاقة، وإغلاق مضيق هرمز، وتأثيرات سلبية أخرى بأنشطة التجارة والملاحة وأسواق المال.
بالطبع، هناك عدة أسباب منطقية وراء قفزة سعر الدولار أمام الجنيه، منها هروب الأموال الساخنة، حيث إن التقديرات تشير إلى خروج استثمارات أجنبية في أدوات الدين الحكومية تقدر بنحو 6.7 مليارات دولار، يرتفع الرقم إلى 9 مليارات دولار في حال احتساب تحويلات أرباح الشركات الدولية إلى الخارج خلال شهر مارس/آذار الماضي.
وهناك طلب متزايد على الدولار من قبل المستوردين والمستثمرين الأجانب في البورصة، مع تضاعف كلفة واردات مشتقات الوقود الشهرية لتبلغ 2.5 مليار دولار في شهر مارس، وفق أرقام رسمية، إلى جانب تراجع بعض الموارد الدولارية، وشح مصادر النقد الأجنبي من قطاعات حيوية، مثل الصادرات، والسياحة، وقناة السويس، وحديث متنامٍ من قبل مؤسسات مصرية ودولية عن هشاشة الاقتصاد المصري، في ظل أعباء خارجية ضخمة، سواء تعلقت بمستحقات الديون، أو كلفة الواردات، البالغة قيمتها ما يزيد عن 100 مليار دولار سنوياً، وتوقعات باتساع عجز الميزان التجاري.
أيضاً هناك مخاوف من أن تؤثر الحرب سلباً في حصيلة تحويلات المصريين العاملين في الخارج، ثاني أكبر مصدر للنقد الأجنبي في مصر، في ظل توقعات الأمم المتحدة، اليوم، بخسارة الدول العربية ما بين 120 و194 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي بسبب الحرب، وفقدان نحو 3.64 ملايين وظيفة، وارتفاع معدل البطالة بنحو 4%، ودخول نحو 4 ملايين شخص دائرة الفقر. وبالطبع فإن دول الخليج صاحبة النصيب الأكبر من تلك الخسائر.
قد تكون خطوة متعمّدة من السلطات لتحميل الحرب كل الأزمات المعيشية والاقتصادية التي جرت في السنوات الماضية، واتخاذ الحرب شماعة لتمرير كل الإجراءات التقشّفية العنيفة، والأهم تبرير الفشل الاقتصادي المزمن
كذلك قد تلعب الخسائر التي تعرضت لها الاقتصادات الخليجية جراء الحرب على إيران وحالة التراشق بين مصريين وخليجيين بشأن الحرب في الضغط على العمالة المصرية في دول الخليج، وتقليص عددها في بعض الدول، وحجم تحويلاتها إلى مصر.
كل ذلك مفهوم وطبيعي، وجرى لعملات أخرى بدول المنطقة، وإن كان بنسب تراجع أقل، كما الحال مع الليرة التركية والدينار العراقي والريال اليمني والجنيه السوداني، لكن اللافت في الأمر هو سماح السلطات النقدية في مصر بهذا التراجع الكبير في قيمة الجنيه مقابل الدولار، وعدم تدخل البنك المركزي لتهدئة القفزة، رغم مخاطرها الشديدة على أسواق السلع والقدرة الشرائية للمواطن والمدخرات المحلية في البنوك، وهو ما يخالف الخطوات التي قامت بها البنوك المركزية في العالم، ومنها البنك المركزي التركي الذي ضخ نحو 45 مليار دولار في الأسواق للحيلولة دون انزلاق الليرة، كما يخالف أسلوب السلطات النقدية في مصر في التعامل مع أزمات مماثلة جرت في سنوات مضت.
وهنا تتنوّع التفسيرات، فقد يكون إحجام البنك المركزي عن التدخل لوقف تهاوي الجنيه هو بهدف المحافظة على الاحتياطي الأجنبي، وعدم استنزافه في حماية العملة المحلية، وقد يكون "المركزي" متعمداً عدم التدخل حتى يبعث رسالة لصندوق النقد الدولي والأسواق الدولية تقول إن سوق الصرف مرن، وهو ما يعجّل بتمرير الصندوق شرائح القروض المتبقية من قرض الثمانية مليارات دولار، وقد تكون الخطوة رسالة للداعمين الدوليين بسرعة تمرير مساعدات عاجلة لمصر والحصول على مساعدات وقروض جديدة، سواء من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، في ظل حديث متنامٍ عن هزات الاقتصاد المصري وعزوف خليجي عن ضخ مزيد من المساعدات في مصر.
وقد تكون خطوة متعمّدة من السلطات لتحميل الحرب كل الأزمات المعيشية والاقتصادية التي جرت في السنوات الماضية، واتخاذ الحرب شماعة لتمرير كل الإجراءات التقشّفية العنيفة، والأهم تبرير الفشل الاقتصادي المزمن.

أخبار ذات صلة.
الكائنات الفضائية "شياطين" بحسب جي دي فانس
العربي الجديد
25 دقيقة من الآن