مزاج سلبي آخذ في الاتساع
عربي
منذ 3 أيام
مشاركة
ليس خافيا على أحد أن سورية قد شهدت في الأشهر الأخيرة تحولاً ملحوظاً في المزاج العام، حيث تتزايد مشاعر الاستياء والغضب، والابتعاد التدريجي عن السلطة الحالية بقيادة أحمد الشرع و"جماعته" الحاكمة.  جاء هذا التحول نتيجة تراكمات سريعة لخيبات الأمل التي بدأت تتكشف مع مرور الوقت، منذ لحظة إسقاط النظام السابق، والتي التفّ حولها السوريون بكثير من الحماسة والأمل. في البداية، بدا أن البلاد تدخل مرحلة جديدة، وأن التضحيات الهائلة التي قُدمت ستترجم سريعاً إلى وطن جديد ومختلف وتحسّن ملموس في حياة الناس. وقفت الغالبية مع السلطة الجديدة، حيث شعر كثيرون أن الأولوية "اليوم" لتعافي البلاد.  بعد انقشاع غبار الفرح ونشوة الانتصار على نظام الأسد، وجد كثيرون أنفسهم أمام مشهد اقتصادي واجتماعي لا يقل قسوة، فقر متزايد، بطالة مستفحلة، وغلاء معيشة. ومع الوقت، لم يعد المواطن يشعر بأن التغيير السياسي انعكس على يومياته، بل ترسخت لديه قناعة بأن همومه الأساسية لم تكن ضمن أولويات السلطة الجديدة، أو ربما ليس بمقدورها إيجاد حلول لتلك الهموم، وهي التي ورثت بلداً منهاراً.  ترافق هذا الشعور مع مظاهر استفزازية تعمّق الفجوة بين الحاكم والمحكوم. فبينما يعاني الناس من ضيق الحال، وفيما ما زالت طرقاتٌ كثيرة محفرّة، والقمامة تملأ الشوارع، راح مسؤولون يظهرون بمواكب سيارات فارهة وحديثة، تتحرّك في الشوارع وكأنها تعيد إنتاج صورة السلطة التي ثار عليها السوريون. هذه المشاهد، وإنْ بدت تفصيلية لبعضهم، تحمل دلالات عميقة لدى الرأي العام، إذ تعكس نمطاً من الانفصال عن الواقع، وتثير تساؤلاتٍ بشأن طبيعة السلطة الجديدة وحدود حساسيتها تجاه معاناة المواطنين. في موازاة هذا، أثارت بعض القرارات الحكومية موجات من الغضب، وكشفت عن نزعاتٍ تمييزية لدى جماعة السلطة. مثلاً تلك القرارات المتعلقة بتنظيم بيع الكحول وحصره في أماكن محددة، مثل بعض الأحياء المسيحية في دمشق. لم يُقرأ هذا القرار فقط في إطاره التنظيمي، بل اعتُبر لدى شريحة واسعة، خصوصاً من المسيحيين، مساساً بأسلوب حياتهم وخصوصيتهم الثقافية. وقد عبّرت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات عن هذا الاستياء بشكل واضح، في موقفٍ لافت يعكس حجم التململ حتى داخل بعض دوائر السلطة نفسها. وفي مشهدٍ لا يخلو من رمزية ودلالة وجود تململ واستياء شرائح واسعة من المحسوبين على السلطة الجديدة، عبّر كثيرون منهم عن تضامنهم مع العقيد رياض الأسعد، مؤسّس الجيش السوري الحر، الذي ظهر في إحدى الصور مرتدياً حزاماً مهترئاً، حيث رأى فيها كثيرون تجسيداً لفكرة النقاء والنزاهة والشرف الشخصي، في مقابل مظاهر السلطة والثراء لدى بعض رموز الحكم الجديد. والاحتفاء بالحزام المهترئ ما هو إلا تعبير عن موقفٍ من هذه السلطة.  ولا يقتصر الأمر على الشارع، بل يمتد إلى النخب أيضاً، فقد لوحظ ابتعاد رجال أعمال ومثقفين عن السلطة الحالية، بعد أن عبرّوا في مرحلة سابقة عن مواقف داعمة لها. ولا يعكس هذا الابتعاد فقط خلافات شخصية، بل يشير إلى شعور متزايد بأن السلطة لا ترغب في الاستماع إلى النصائح أو إشراك الآخرين في صنع القرار. سياسة الإقصاء، التي طاولت شخصيات ذات وزن وخبرة، عزّزت الانطباع بأن الحكم يميل إلى الاحتكار والانغلاق، وعزّزت القناعة بأن من يحكم اليوم يحكم بعقلية "الجماعة" وليس بمنطق الدولة.  في المحصّلة، يبدو أن الفجوة بين السلطة والمجتمع آخذة في الاتساع، فالتوقعات العالية التي رافقت التغيير اصطدمت بواقع معقّد، لم تُظهر فيه السلطة قدرة كافية على الاستجابة أو التكيف. إنه حقاً أمرٌ غريبٌ أن تولي هذه السلطة اهتماماً بمن يشرب الكحول ومن كان يفطر في شهر رمضان من دون أن تهتم بإيجاد خطط للجائعين والفقراء الذين يتكاثرون يوما بعد يوم!

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية