عربي
في المناخات الانتقالية، حين تتبدل مراكز الثقل وتفقد البنى القديمة قدرتها على الإمساك بالمشهد، تنشأ مساحات رمادية تبحث عن معنى، وتتحرك الأسئلة ككائنات قلقة فوق أرضٍ لم تُرسَم خرائطها بعد. في تلك اللحظات، لا يعود المشهد الثقافي مجرد مسرح جانبي، بل يتحول إلى مرآة حسّاسة تلتقط ارتجافات المجتمع وما يعتمل في داخله من رغبات وصراعات. فالثقافة، في مثل هذه الأزمنة، تصبح الطرف الذي يُستدعى لتبرير التحولات، أو لتزيينها، أو لإعادة ترتيب الذاكرة بما يتوافق مع السلطة الصاعدة. وبين محاولات إعادة بناء المجال العام واستعادة ما تهدّم من المعنى الجماعي، تنشب مواجهة صامتة بين من يريد للثقافة أن تظل مستقلة، ومن يريد لها أن تكون امتداداً لخطاب النفوذ. وهكذا تغدو الأسئلة حول الكتاب والفن والهوية أشبه باختبار لصورة المستقبل أكثر مما هي نقاش حول التفاصيل.
في اللحظات التي تعيد فيها المجتمعات تشكيل صورتها بعد العاصفة، تنكشف المنابع الخفيّة التي تغذّي وعيها ومعناها. فحين تتبدّل السلطة، لا يتغيّر المشهد السياسي وحده، بل تتحرك الطبقات العميقة للذاكرة، وتنفتح الأسئلة حول ما يُراد للوجدان العام أن يكون عليه. وفي سوريا، التي خرجت من حقبة ثقيلة، بدت الساحة الثقافية وكأنها تُقاد إلى امتحان جديد: كيف تُصاغ لغة المستقبل؟ ومن يملك حق تحديد النبرة التي سترافق التحوّل؟ هنا، يصبح الكلام على الثقافة كلاماً على الهوية، وعلى التوازن الدقيق بين ما يُراد فرضه وما يحاول الناس الدفاع عنه.
أثبتت التجارب عبر التاريخ أن شكل السلطة لا يتبدّل وحده عندما تتغيّر الأنظمة السياسية، وإنما يعاد ترتيب المجال الرمزي للمجتمع برمته، وفي سورية، بعد سقوط نظام بشّار الأسد، امتد التحول من المشهد السياسي إلى المجال الثقافي الذي وجد نفسه فجأة أمام أسئلة جديدة: من يدير الثقافة؟ ما دورها؟ وما هي الهوية التي يفترض أن تعكسها في المرحلة الجديدة؟
فالثقافة السورية التي عاشت عقوداً بين الرقابة الرسمية والتهميش السياسي، دخلت اليوم مرحلة ملتبسة، مرحلة تتنافس فيها اتجاهات متعدّدة، مثقفون يبحثون عن شرعية لدى السلطة الجديدة، وآخرون يتبنّون مقاربة براغماتية مع الواقع السياسي، في مقابل أصواتٍ تحاول الدفاع عن استقلالية الثقافة وقيم الحرية والحداثة.
لا يعكس هذا التباين اختلاف المواقف، بل يكشف أيضاً هشاشة المؤسّسات الثقافية التي لم تتمكن من إعادة تعريف دورها في سورية الجديدة، وبين الحديث عن "ثقافة جديدة" والتحذير من "فراغ المشهد" تبدو الحركة الثقافية في البلاد وكأنها تقف على مفترق طرق.
ألقى وزير الثقافة كلمة تحدث فيها عن "تطويب دمشق إلى يوم القيامة"، ما يعد مؤشّراً مبكراً إلى طبيعة اللغة التي قد تقدم بها الثقافة في المرحلة الجديدة
بداية ملتبسة للسياسة الثقافية
من بين الأصوات التي تابعت بدايات المرحلة الجديدة بدقة، يبرز الناقد والروائي نبيل سليمان، الذي يمتد مشروعه الروائي والنقدي لأكثر من 35 عملاً في النقد والدرس والرواية، منها روايته "ينداح الطوفان" وصولاً إلى "أوشام".
يستعيد سليمان اللحظة الأولى التي تشكلت فيها توقعاته تجاه وزارة الثقافة الجديدة، فمع تشكيل الحكومة السورية في 29 مارس/ آذار 2025، تردد أن الصحافي محمد ياسين صالح، القادم من قناة الجزيرة، سيتولى حقيبة الثقافة. وبالنسبة لسليمان، كان هذا سبباً لتفاؤل حذر، فوجود صحافي في هذا المنصب قد يفتح المجال أمام مقاربة أكثر انفتاحاً للثقافة، رغم أن أطرافاً في المعارضة كانوا يفضلون شخصية ذات خبرة مباشرة في الإدارة الثقافية. ولكن هذا التفاؤل لم يدم طويلاً، فخلال مراسم الإعلان عن الحكومة، ألقى كل وزير بياناً خاصاً به، في خطوة غير مألوفة في الحياة السياسية السورية. في تلك المناسبة ألقى وزير الثقافة كلمة تحدث فيها عن "تطويب دمشق إلى يوم القيامة"، وهو ما اعتبره سليمان مؤشّراً مبكراً إلى طبيعة اللغة التي قد تقدم بها الثقافة في المرحلة الجديدة. فحين أعلن الوزير أن "ثقافتنا الجديدة قائمة على الخير والعدل والإحسان والتآخي"، رأى سليمان أن هذا الخطاب القيمي، رغم أهميته، قد يُحدث التباساً بين دور وزارة الثقافة ودور المؤسسات الدينية.
من الخطاب إلى الممارسة
مع مرور الوقت، بدأ سليمان يلاحظ مؤشرات عملية إلى هذا التحوّل في طبيعة النشاط الثقافي، ويشير في هذا السياق إلى مهرجان "أيام البردة الدولي" الذي نظمته وزارة الثقافة في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، حيث جرى التركيز على القصيدة العمودية بوصفها وسيلة لتعزيز القيم الثقافية والجمالية. ويعكس هذا التوجه، كما يرى سليمان، مفارقة واضحة بين شعار الجمع بين الأصالة والحداثة وبين طبيعة الفعاليات التي يجري تنظيمها، وقال لـ"سورية الجديدة" إن هذا الاتجاه ظهر أيضاً في عدة فعاليات نظمتها مديريات الثقافة في المحافظات، مثل الأنشطة الرمضانية في حمص التي شملت أمسيات شعرية وإنشادية ومحاضرات ذات طابع ديني. ومع ذلك، يقر سليمان بأن المشهد الثقافي لا يخلو من فعاليات متنوعة، مثل أسبوع "بانوراما المسرح"، ومسابقات القصة القصيرة والتأليف المسرحي، وفعاليات التراث الشركسي، إضافة إلى ملتقيات فنية للشباب.
ورغم هذه الأنشطة، تبقى الأسئلة مفتوحة حول الاتجاه العام للسياسة الثقافية، خصوصاً في ظل ارتباكات تنظيمية مثل الإعلان السريع عن إعداد نشيد وطني جديد خلال ثلاثة أسابيع فقط.
ولا يقف نقد سليمان عند البرامج الثقافية فحسب، بل يمتد إلى وقائع وسجالات رافقت عمل الوزارة، ويرى أنها تعود في النهاية إلى لحظة رمزية واحدة، مثل ظهور الوزير بالعباءة بجانب جمال، شقيق رئيس الجمهورية، في ضيافة شيخ عشيرة المراسمة، ما أثار احتجاجات أدت إلى اعتذاره، وإيقاف عرض الأخوين ملص المسرحي، أو تصريحات الوزير عن العلويين. وهذا كله بالنسبة لسليمان يجبّ وجباباً قول الوزير: "وقبل لقياكِ لم أعثر على امرأةٍ/ تلوّن الأرضَ ألوان السماوات".
في خضم النقاش الدائر حول السياسة الثقافية في سورية بعد سقوط الأسد، تتزايد أصوات المثقفين الذين يحاولون قراءة التحولات الجارية بوصفها أكثر من مجرد تبدل إداري في المؤسسات الثقافية، فبعضهم يرى ما يحدث قد يعكس تحولاً أعمق في تصور السلطة الجديدة دور الثقافة وحدودها، وفي طبيعة الذائقة التي يُراد تعزيزها في المجال العام.
قلق من "دفن" الحداثة
في قراءة موازية، يرى الروائي والناقد خليل صويلح أن ما يحدث في المشهد الثقافي السوري قد يكون أكثر من مجرد مرحلة انتقالية، ويعتقد أن التحولات الجارية قد تعكس محاولة أعمق لإعادة تشكيل الذائقة الثقافية في المجال العام، وقال لـ"سورية الجديدة": "أظن أن ما يحدث نوع من التمكين لنهج ثقافي ستتضح صورته لاحقاً، نهج قد يرمي إلى محو ما سبقه، أو إعادة إحياء عكاظ شعري في المقام الأول، ودفن الحداثة في مقبرة مجهولة". ويرتبط هذا القلق من وجهة نظر صويلح بمحاولات إعادة صياغة الثقافة وفق رؤى سياسية أو رمزية ضيقة، قد تتجاهل الإرث الحداثي الذي راكمته الثقافة السورية عبر عقود من الصراع مع الرقابة والسلطة، ومن هنا يطرح سؤالاً أساسياً: هل نحن أمام تجدّد ثقافي طبيعي، أم محاولة لإعادة كتابة الذاكرة الثقافية السورية؟
لا تقتصر المشكلة، في رأي الروائية غفران طحان، على طبيعة الخطاب الثقافي، بل تمتد إلى غياب الحيوية الثقافية نفسها، وترى أن المشهد الثقافي بعد سقوط النظام يعاني حالة فراغ واضحة، تتجاوز مجرّد الارتباك الطبيعي الذي يرافق المراحل الانتقالية.
وتشير طحان إلى أن أحد أبرز مظاهر هذا الفراغ هو اختفاء المهرجانات الثقافية التي كانت تقام سنوياً في مجالات الأدب والمسرح والفنون التشكيلية. هذه التظاهرات، كما تقول، لم تكن مجرد فعاليات احتفالية، بل فضاءات يلتقي فيها الكتّاب والفنانون والجمهور، وتُخلق عبرها دينامية ثقافية تذكر المجتمع بأن الثقافة جزء من حياته اليومية. كما تلفت طحّان إلى نزعة متزايدة نحو مركزية القرار الثقافي داخل وزارة الثقافة، على حساب المؤسسات المتخصّصة ومديريات الثقافة في المحافظات.
الواقع الثقافي في سورية لا يزال معطلاً، ليس بقرار رسمي مباشر، بل بسبب سوء الإدارة وتراكم الأولويات السياسية والاقتصادية
الثقافة خارج الأولويات
وترى الروائية سميرة بدران أن الثقافة في سورية لا تزال خارج قائمة الأولويات السياسية، ففي ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد، يبدو أن الحكومات المتعاقبة تنظر إلى الثقافة بوصفها قطاعاً ثانوياً يمكن تأجيله، وينعكس هذا التصوّر مباشرة على واقع المؤسسات الثقافية، سواء من حيث التمويل أو التعيينات الإدارية، وتقول إن بناء مستقبل ثقافي حقيقي في سورية يتطلب جهداً مشتركاً بين الدولة والمجتمع والمثقفين، لأن الثقافة ليست ترفاً، بل أحد العناصر الأساسية في بناء المجتمع.
في سياق الحديث عن تراجع الحياة الثقافية، يستعيد الناقد السينمائي عمّار حامد تجربة مهرجان دمشق السينمائي الدولي مثالاً على الحيوية الثقافية التي فقدتها المدينة، ففي ثمانينيات القرن الماضي وتسعينياته كانت دمشق تتحول في أيام المهرجان إلى ملتقى عالمي لصنّاع السينما، حيث تعرض أفلام من عشرات الدول، وتقام ندوات وحوارات تمتد حتى ساعات متأخرة من الليل.
ومنذ انطلاقه عام 1979، شكل المهرجان نافذة لجيل كامل من السوريين على السينما العالمية، ثم توقفت فعالياته تدريجياً بسبب الظروف الأمنية والعزلة السياسية وتراجع البنية التحتية الثقافية. ويرى حامد أن عودة المهرجان ممكنة، لكنها تحتاج ثلاثة شروط أساسية: الاستقرار السياسي، والانفتاح الثقافي الدولي، ووجود صناعة سينمائية نشطة.
وتركز الروائية ابتسام تريسي على مشكلة الإدارة الثقافية، فهي ترى أن الواقع الثقافي في سورية لا يزال معطلاً، ليس بقرار رسمي مباشر، بل بسبب سوء الإدارة وتراكم الأولويات السياسية والاقتصادية، وتقول إن تأجيل الثقافة إلى مرحلة لاحقة قد يؤدي إلى إعادة إنتاج مركزية ثقافية جديدة، حيث تصبح المبادرات الثقافية مرهونة بقرارات السلطة، وترى أن إعادة تنشيط الحياة الثقافية تتطلب السماح بتشكيل مؤسسات ثقافية مستقلة، ومنح وزارة الثقافة استقلالية أكبر في اتخاذ القرار.
الثقافة ضحية السياسات
يقدّم الناقد المسرحي أنور محمد قراءة أكثر حدة للمشهد الثقافي، فهو يرى أن الثقافة في سورية كانت تاريخياً ضحية سياسات غير مسؤولة جعلتها في أسفل سلم الأولويات. لكن المفارقة اليوم، في رأيه، أن الجدل الثقافي بات أحياناً يدور حول التشكيك في قيمة رموز إبداعية كبرى، مثل سعد الله ونوس أو ممدوح عدوان، ويرى أن هذه السجالات قد تغذّي الانقسامات الاجتماعية، وتحوّل الثقافة إلى ساحة صراع هوياتي، بدلاً من كونها فضاء إنسانياً مشتركاً.
كما ينتقد محمد غياب رؤية ثقافية واضحة لدى المؤسّسات الرسمية، متسائلاً عما إذا كانت السلطة الجديدة تمتلك تصوراً حقيقياً لدور الثقافة في المجتمع. فلا خطَّة خمسية (أو يومية أو أسبوعية أو شهرية أو فصلية أو سنوية) لوزارة الثقافة. وقد مرَّ عامٌ وشهران على التحرير، ولا مَنْ يقومُ بصنع حالة ثقافية، حتى معرض الكتاب بدا تظاهرة متعالية ذات بُعدٍ واحد.
لو نظرنا، أَوْ عُدنا إلى قراءة تاريخ الثقافة الإسلامية وليس "الإسلاموية"، لوجدنا أنَّها كانت ثقافة إنسانية متنوِّعة؛ اشتغل مُبدعُوها في حقول معرفية عديدة؛ علوم الدين، واللغة، والآداب، والفنون، والعلوم العقلية، خصوصاً "علم الكلام" الذي أسَّسَ لبذور الفكر الفلسفي للمسلمين، ومنه قامت، أَوْ صِيغَت قواعد التفكير وآلياته. هذه القواعد التي جرى وأدها كما وُئِدت قواعد الفكر العلمي في فترة الحكم العائلي للأسد الأب والابن في سورية القديمة.
تكشف ملاحظات أنور محمد عن قلق عميق من أن يتحول الفراغ الثقافي إلى حالة بنيوية طويلة الأمد، لا مجرد عارض مرحلي. فالمشكلة، في نظره، لا تتعلق فقط بغياب الفعاليات أو البرامج، بل بغياب رؤية ثقافية قادرة على حماية الإرث الإبداعي السوري وتطويره.
مستقبل الثقافة السورية
تكشف هذه القراءات المختلفة عن أزمة مركبة يعيشها المشهد الثقافي السوري، فالمشكلة لا تتعلق فقط بطبيعة الخطاب الثقافي أو توجهات السلطة، بل أيضاً بضعف البنية المؤسسية التي يفترض أن تنتج الحياة الثقافية.
قصارى القول، لا تعيش الثقافة بالخطابات وحدها، بل تحتاج إلى فضاءات ومؤسسات وتفاعل اجتماعي مستمر، ومن هنا يبدو مستقبل الثقافة السورية مرتبطاً بقدرتها على التحرّر من الوصاية السياسية وإعادة بناء مؤسساتها على قاعدة الاستقلالية والتعدّدية. فإذا تحقق ذلك، قد تستعيد الثقافة دورها كأحد أهم محرّكات الحياة الفكرية في المجتمع، أما إذا بقيت رهينة الصراع السياسي، فقد يتحوّل الفراغ الثقافي إلى واقع طويل الأمد يهدّد الإرث الإبداعي السوري كله.
ملامح المستقبل الثقافي ستتشكّل من صراعٍ بين رغبتين: رغبةٍ في ترميم الذاكرة وإحياء ما تهشّم من تراثٍ ومعنى، ورغبةٍ أخرى في إعادة هندسة الذائقة وفق معايير السلطة الصاعدة. وبين هاتين القوتين، قد تنشأ تيارات جديدة، أكثر استقلالاً ومرونة، تدفع بالمشهد نحو مساحة يلتقي فيها الإبداع الحر مع حاجات المجتمع. وإذا نجح هذا المسار، قد تستعيد الثقافة دورها قوة مولّدة للمعنى والوعي.
