عربي
تكذب علينا حكوماتنا. تكذب عندما توقع معاهدات السلام، عندما تذهب إلى الحرب. تكذب في الفقر كما في الرفاه. تكذب حتى عندما تقول الحقيقة، كونها تقولها ناقصة، بروايات متضاربة، منزوعة المنطق، مخفية النيات. هكذا تكذب: في درجات الحرارة، في تعداد الكيلومترات المزروعة، في الحاصل العام، في حساب المطر، في أسباب الحرائق. تكذب عند سنّ القوانين وعند التراجع عنها. تكذب حتى عندما تريد لشعبها الفائدة. نحن نعلم أنها تكذب، وهي تعلم أننا نعلم. لندور معاً في دوامة من اللاتصديق.
تعيب علينا الأنظمة في بلاد الاغتراب أننا مخاتلون، لا نحترم القوانين، ونتهرّب من الضرائب. ننظر في عين من يقدّم لنا المساعدة ونحن نهزّ برؤوسنا مشكّكين، علّنا نجد مرّة الثغرة التي قد تقتلنا. لم نعتد إلا أن تُسنّ القوانين ضدنا، وأن يكون كل ما في حياتنا في خدمة السلطة، بينما يكون كل ما في أجهزة السلطة في خدمتنا، نحن الشعب، ولو في حدّه الإنساني الأولي. تعلم السلطات الكاذبة أننا لا نحترمها. نعلم أنها، في أحسن أحوالها، وفي مثاليّتها "الوضعية"، لا ترى فينا سوى ثلّة مراهقين لم يشبّوا عن الطوق. عليها، في نظر نفسها، أن تكذب علينا من أجلنا. الحقيقة، كما تدّعي، أكثر تعقيداً من محدودية فهمنا فتخفيها.
في الفيلم الأميركي "قلّة من الرجال الشرفاء"، حين يصرخ الكولونيل الفاسد، الذي وجد نفسه بعنجهيّته، ويا للبؤس، محاكَماً. من مَن؟ من "الرعاع" الذين يحميهم الجيش الذي يأتمر له ولسلطته. يصرخ في وجه الضابط الشاب: أتريد معرفة الحقيقة؟ أفي استطاعتك احتمال معرفتها؟
نعم إنه مشهد سينمائي. لكنه خلاصة مخمّرة لعلاقة السلطات المتعالية بشعوبها حين يتحوّل تداول الحقيقة إلى امتياز للخاصة، لا حقاً جماعياً. هو درس لا يُتعلّم. مع كل ثورة، إطاحة النظام، تتفاجأ الحكومات بأن شعبها قد شبّ عن الطوق. لكنها، مع ذلك كله، لا تستمع ولا تأخذ العبرة. شعبها، في مخيّلتها، مراهق، عديم الشخصية، يريد أن ينفلت بلا ضوابط. يريد أن يعربد مقلّداً صديقاً ما، عديم التربية، لا يشبهنا لا في الأخلاق ولا في التربية ولا في الدين ولا في القيم.
المنطق الأبوي نفسه تُبرَّر به اليوم قوانين تتسلل إلى التفاصيل الشخصية للسوريين. من شكل اللباس إلى المكياج في الدوائر الرسمية. من تقنين شرب الكحول إلى مراقبة السلوك الفردي باسم "القيم العامة". كأن المشكلة الكبرى في بلد خرج لتوه من حرب مدمّرة، واقتصاد منهك، ومجتمع مثقل بالفقد، هي أحمر الشفاه أو كأس نبيذ. يخبرنا التاريخ، براحة بال، أن السلطات، حين تعجز عن إدارة الأزمات الكبرى، تميل إلى إدارة الأجساد بدلاً من إدارة الدولة.
حين قرّرت الولايات المتحدة في عشرينيات القرن الماضي حظر الكحول في حقبة الحظر عام 1920، حيث ادّعت عندها أن مردّ الحظر أخلاقي، رافضة الاعتراف أنه استجابة لضغط الحركات البروتستانتية المحافظة، عبر محاولة فرض نموذج سلوكي موحّد على مجتمع متنوع. قيل يومها إن الحظر سيقلل الجريمة، ويحمي العائلات، ويرفع الإنتاجية. ما حدث كان أن السوق السوداء ازدهرت، تقوّت العصابات المنظّمة، تحوّل الكحول من مادة قانونية إلى مصدر ثروة غير شرعية، حتى صار القانون موضع سخرية. بعد وقت قليل، اضطرّت الدولة نفسها إلى التراجع عما سنّته. الناس بالطبع لم يصبحوا أكثر أخلاقاً. الدولة، وحدها، أدركت أن كذبتها عن فرض الأخلاق بالقوة هي ما قوّض هيبتها.
مع هذا، تظل الحكومات المرتعدة ترمي أعناقنا بأطواقها، مثبتةً أنها الأكثر هشاشة منا أمام الحقيقة.

أخبار ذات صلة.
مواجهات حاسمة لبايرن ميونيخ في أبريل
الشرق الأوسط
منذ 14 دقيقة