سعيد يقطين: عن المقدمات التي تشكل عتبات على أبواب كتابات
عربي
منذ ساعتين
مشاركة
يبلور الباحث والناقد المغربي سعيد يقطين في عمله الجديد "عن الكتابة والاستضافة: عتبات على أبواب كتابات"، (دار الآن ناشرون وموزعون، 2026)، تصوراً دقيقاً للكتابة باعتبارها ممارسة تتجاوز حدود الإنتاج الفردي، لتندرج ضمن شبكة من العلاقات الإنسانية والمعرفية التي تمنح النص امتداده الحقيقي. لا يتقدم هذا التصور في صيغة تنظيرية مجردة، وإنما يتشكل تدريجياً من خلال تجربة ممتدة، تتقاطع فيها القراءة المبكرة، والوعي السياسي، والانخراط الثقافي، مع فعل الكتابة نفسه بوصفه فعلاً ذا حمولة أخلاقية. منذ الصفحات الأولى، تنشغل المقدمة بتفكيك طبيعة العلاقات بين المثقفين، حيث يتجاور التنافس الحادّ مع أشكال من التقدير العميق. هذا التوتر يعرض باعتباره عنصراً كاشفاً عن طبيعة الحقل الثقافي، حيث تتداخل الاعتبارات الفكرية بالإيديولوجية، وتتحرك الغيرة في خلفية المواقف المعلنة. داخل هذا الأفق، يستعيد يقطين تقاليد ثقافية راسخة مثل التقريظ، والإهداء والشكر، بوصفها أشكالاً من الاعتراف المتبادل، قبل أن يركز على مفهوم "الاستضافة" الذي يمنحه دلالة خاصة، تتجاوز المعنى التداولي إلى معنى ثقافي مركزي. الاستضافة، كما تتبدى في الكتاب، صيغة من صيغ تقاسم المسؤولية بين كاتبين: مضيف يفتح نصه لغيره، وضيف ينخرط في تقديمه دون أن يفقد استقلاله. هذا الوضع المركب يفرض نوعاً من التوازن الدقيق بين التقدير والاختلاف، ويجعل من المقدمة فضاءً لإنتاج معرفة موازية، تضيف إلى النص الأصلي بدل أن تكتفي بتقديمه. بهذا المعنى، تتحول العتبة إلى موقع دلالي قائم بذاته، يساهم في توجيه القراءة، ويكشف عن أبعاد قد لا تنكشف في المتن مباشرة. يتجسد هذا التصور عملياً في البنية العامة للكتاب، الذي يجمع مقدمات كُتبت في سياقات متباعدة وتوزعت على مجالات متعددة. في الدراسات، تحضر الترجمة باعتبارها فعل عبورٍ بين لغات وثقافات، وتُستعاد مفاهيم السرديات والسيميائيات ضمن نقاش نقدي يلامس الرواية العربية في تحولات مرجعياتها وأسئلتها. وفي النقد الروائي، تتقاطع قضايا التخييل التاريخي مع إشكالات ما بعد الاستعمار، بما يعكس انشغالاً بأسئلة الهوية والتمثيل. هذا الامتداد المعرفي يتجاور مع الإبداع، حيث تتعدد الأجناس بين القصة والرواية، وتتباين التجارب بين كتّاب من المغرب ومحيطه العربي، بما يشمل أعمالاً مثل "لنبدأ الحكاية" لمليكة نجيب، و"المكتب 18: سيرة موظف جامعي" للعربي قباب، و"رواية ميلودة" و"رواية هيلانة" لعلي أفيلال، و"القوقعة" لعبد الله الغزال، و"آخر سكان دمشق" لبسمة شيخو، و"مطبخ الحب" لعبد العزيز الراشدي، و"حداء الروح" لناجي الأمجد، و"بديعة وفؤاد" لعفيفة كرم، ما يمنح الكتاب طابعاً حوارياً متنوعاً ومفتوحاً بين النصوص والإبداعات المختلفة. ضمن هذا المسار، تكتسب الثقافة الشعبية حضوراً لافتاً، عبر استحضار الحكاية الشفاهية والأمثال وفنون الأداء الجماعي، بما يكشف عن وعي بأهمية الذاكرة الثقافية في تشكيل الذائقة واللغة. كما يواكب الكتاب التحولات الرقمية، من خلال مقاربات للنص التفاعلي والسرد الوسائطي، حيث تتغير شروط الإنتاج والتلقي، وتُعاد صياغة العلاقة بين الكاتب والقارئ. يقارن بين مقدمات كُتبت في سياقات أدبية ومجالات مختلفة تشكل تجربة سعيد يقطين الشخصية خيطاً ناظماً يربط مختلف مداخل الكتاب. القراءة منذ الطفولة أرست لديه فهماً حساساً للكلمة ولقدرتها على نقل المعنى وبناء الفكر، كما يذكر في مقدمته. هذا الوعي المبكر تلاقى مع إدراكه للواقع الاجتماعي والسياسي، إذ لاحظ التفاوتات وعدم المساواة، فانسجمت الكتابة في ذهنه مع مسؤولية أخلاقية تتجاوز حدود إنتاج النص لتصير وسيلةً للتفاعل مع المجتمع وفهمه. الانخراط في العمل الجمعوي وحضور الملتقيات الثقافية وضعه في مواجهة مباشرة مع تجارب الآخرين ومنح الاستضافة بُعداً عملياً. هذا الفعل الجماعي للكتابة يظهر في كلّ أبواب الكتاب، من الدراسات والترجمات، إلى النقد الروائي، ومن الإبداع إلى الثقافة الشعبية، وصولاً إلى الكتابة الرقمية، حيث لا يقتصر النص على كونه مادة للقراءة فحسب، فهو مشاركٌ في صياغة تجربةٍ ثقافية مشتركة، تجعل القارئ شريكاً في عملية البناء المعرفي. الاستضافة هنا تمنح النص أفقاً جديداً، إذ تعاد قراءته في ضوء تفاعل الآخرين ويُثري الحوار الإبداعي والفكري بوجهات نظر مختلفة، بما يعكس التزام الكاتب بالمسؤولية أمام نصه وأمام من يقرأه.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية