الحرب على إيران وانعكاساتها على قطاع غزّة
عربي
منذ 4 أيام
مشاركة
في سياق تسارع  تحوّلاتٍ جيوسياسيةٍ بارزةٍ في المنطقة، واستمرار التغيّر في الخرائط السياسية في المشرق العربي الأوسع، تتبلور المواجهة العسكرية الراهنة بين الكيان الصهيوني وكلٍّ من إيران ولبنان منعطفًا استراتيجيًّا حاسمًا في تاريخ الصراع الإقليمي؛ إذ تجاوزت هذه المجابهة حدود الصدامات العسكرية الموضعية، لتستحيل حدثاً محورياً يعيد صياغة الأولويات السياسية والأمنية برمّتها، وفي قلب هذا المخاض الجذري يبقى قطاع غزّة، الّذي استقطب طوال أكثر من عامين الاهتمام الدولي، بوصفه بؤرة الصراع الأكثر مركزيةً، قبل أن تنزاح بوصلة التركيز فجأةً نحو جبهاتٍ إقليميةٍ بديلة. أدّى اندلاع المواجهة مع إيران وتصاعد التوتر العسكري على الجبهة اللبنانية إلى إزاحة جزءٍ كبيرٍ من الأضواء الإعلامية والسياسية عن قطاع غزّة، فبعد أن كان القطاع يتصدر الإعلام ويحتلّ أولوية أجندات الدوائر الدبلوماسية الدولية بصفته بؤرة الأزمة الإنسانية والعسكرية الأكثر حدّةً، بات الاهتمام العالمي موزّعاً اليوم بين مسارح وجبهاتٍ إقليميةٍ متعددةٍ، ولم يكن هذا التحوّل في مركز الثقل الإعلامي مجرّد تغييرٍ عابرٍ في أولويات التغطية، بل حمل في طياته انعكاساتٍ ملموسةً على واقع غزّة، سواءً على المستوى العسكري أو السياسي أو الإنساني. برزت إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر بالنسبة لدولة الكيان، لما تمثّله من ثقلٍ عسكريٍّ وإقليميٍّ وقدراتٍ صاروخيةٍ متطورة من المنظور العسكري الاستراتيجي، أدّى انشغال دولة الكيان بإدارة مواجهةٍ واسعة النطاق مع إيران، إلى جانب التوتّر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، إلى إعادة توزيعٍ جذريةٍ لقدراتها العسكرية ومواردها الاستراتيجية، إذ تفرض الحروب متعدّدة الجبهات بطبيعتها ضغوطاً هائلةً على أي جيشٍ، مهما بلغت قوّته وتسليحه، ولذلك أصبحت القيادة العسكرية الصهيونية أمام ضرورةٍ ملحّةٍ لإعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية والهجومية، بما يضمن مواجهة التهديدات الأكثر خطورةً في تقديراتها الاستخباراتية، وفي هذا السياق، برزت إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأكبر بالنسبة لدولة الكيان، لما تمثّله من ثقلٍ عسكريٍّ وإقليميٍّ وقدراتٍ صاروخيةٍ متطورةٍ، الأمر الّذي دفع المؤسسة العسكرية الصهيونية إلى توجيه جانبٍ كبيرٍ من قدراتها نحو هذه الجبهة المتجدّدة، وقد انعكس هذا التحوّل بصورةٍ مباشرةٍ على قطاع غزّة، إذ شهدت حدّة العمليات العسكرية تراجعاً نسبياً مقارنةً بالفترات السابقة، فحين يكون الجيش الصهيوني منشغلاً بمواجهة تهديداتٍ إقليميةٍ واسعةٍ، يصبح من الصعب عليه مواصلة الضغط العسكري المكثّف على جبهةٍ أخرى في الوقت ذاته، غير أنّ هذا التراجع لا يعني بالضرورة أنّ غزّة خرجت من دائرة الاستهداف، أو أنّ التهديدات الأمنية قد زالت تماماً، لكنّه يشير إلى أنّ مستوى الضغط العسكري قد تراجع، ولو مؤقّتاً، بانشغال دولة الكيان بجبهاتٍ أكثر تعقيداً، ويمكن وصف هذه المرحلة بأنّها هدنةٌ ضروريةٌ مؤقّتةٌ اختارتها حكومة الكيان، وليست تحولاً استراتيجياً دائماً في سياساته تجاه القطاع، ومن هذا المنطلق يمكن القول إنّ التهديدات المحدقة بغزّة لم تتلاشى، بل أعيد توصيفها وأعيد ترتيب أولوياتها في سياقٍ إقليمي أوسع، فلم تتخلَّ دولة الكيان عن أهدافها الاستراتيجية في قطاع غزّة، خصوصًا مسألة التهجير، و"نزع سلاح المقاومة"،واستسلام حركة حماس، بل وضعتها على الرف ريثما تحسم صراعها مع ما تصفه بـالخطر الإيراني الوجودي، وتصفية الحساب مع حزب الله، فتعيش غزّة حالياً فترةً انتقاليةً حرجةً ربّما تمثّل فرصةً لفصائل المقاومة  لاستثمار هذا الانشغال الإقليمي لإعادة حساباتها السياسية وتثبيت حقائق على الأرض قد تعود بالنفع عليها مستقبلاً، قبل أن تنقشع غيوم الحرب الإقليمية وتعود الأنظار إلى القطاع من جديد. من ناحيةٍ أخرى، قد يخلق انشغال المجتمع الدولي بتداعيات الحرب مع إيران والعدوان على لبنان نوعاً من الفراغ السياسي في ملفّ غزّة، فالدول الكبرى، الّتي كانت منشغلةً بمحاولات إدارة الأزمة الإنسانية والسياسية في القطاع، وتطبيق خطة الرّئيس الأميركي دونالد ترامب "20 نقطة" وتثبيت إنهاء الحرب، أصبحت مضطرّةً لتوجيه جهودها نحو احتواء صراعٍ إقليميٍّ أوسع قد يهدّد الاقتصاد العالمي، واستقرار الإقليم بأسره، ونتيجةً لذلك، قد يتراجع حضور الملفّ الفلسطيني على جدول الأعمال الدولي، وهو ما يمنح دولة الكيان مساحةً أوسع للمناورة السياسية في المستقبل، ويحدّ من الضغوط الدولية الرامية إلى وقف الانتهاكات أو تحسين الأوضاع الإنسانية. على الصّعيد الإنساني، يبرز الانعكاس الأكثر إيلاماً لهذا التحوّل الإقليمي في تراجع الدعم الدولي والإغاثي المخصّص لقطاع غزّة. فالمساعدات الّتي كانت تتدفّق للقطاع؛ على شحّها وقصورها؛ بدأت تجد منافسين جددًا في ساحات نزوحٍ ودمارٍ أخرى في لبنان، والتمويل الدولي الّذي كان مخصصاً لإعادة الإعمار أو الإغاثة العاجلة، بات يتوزّع على جبهاتٍ متعدّدةٍ، ممّا ينذر بتفاقم الكارثة الإنسانية الصامتة في غزّة. مع ذلك، فقد تمنح هذه المرحلة غزّة أيضاً فرصةً نادرةً لإعادة التقاط الأنفاس بعد فترةٍ طويلةٍ من التصعيد العسكري المتواصل، فالتراجع النسبي في الضغط العسكري يتيح للقطاع هامشاً محدوداً لترتيب أوضاعه الداخلية، والتعامل مع التداعيات الإنسانية الكارثية الّتي خلفتها الحرب. غير أنّ هذه الفرصة تبقى بطبيعتها هشّةً ومؤقّتةً، ورهينةً بتطورات الصراع الإقليمي الأوسع، فيشير تاريخ الصراع القريب  إلى أن القطاع غالباً ما سيعود إلى واجهة الأحداث بمجرّد تغيّر موازين القوى، أو انتهاء جولات التصعيد في الجبهات الأخرى، لذلك لا يمكن النظر إلى تراجع التهديدات الحالية باعتباره تحولاً استراتيجياً دائماً، بل هو أقرب إلى هدنةٍ غير معلنةٍ فرضتها ظروف الصراع الإقليمي المتشابك. قد تعيد الحرب الدائرة على إيران ولبنان ترتيب تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بقطاع غزّة في المدى البعيد بطرقٍ متعدّدةٍ، فإذا أدّت هذه المواجهة إلى تصعيدٍ إقليميٍّ واسع النطاق، فقد يُفتَح الباب أمام تحوّلاتٍ كبيرةٍ في توازنات القوى في المنطقة، وهو ما سينعكس حتماً على القضية الفلسطينية برمّتها، أمّا إذا انتهت المواجهة بتفاهماتٍ أو ترتيباتٍ أمنيةٍ جديدةٍ ترسم قواعد اشتباكٍ محدّثةً، فقد يُعاد رسم خريطة التحالفات والضغوط السياسية في المنطقة، وعليه فإنّ غزّة أمام سيناريوهين؛ الأوّل يتمثّل في نجاح الحملة العسكرية الصهيوأمريكية في إجبار إيران على التراجع أو تغيير سلوكها الإقليمي تغيرًا جذريًّا، في هذه الحالة، سيضعف موقع المقاومة الفلسطينية استراتيجياً، وقد تدفع الظروف الجديدة الفصائل إلى قبول تسوياتٍ سياسيةٍ أقلّ طموحاً، مع ما يترتب على ذلك من تداعياتٍ عميقةٍ على مستقبل قطاع غزّة، أما الثاني فيتمثّل بصمود إيران وحزب الله، أو نجاحهم في التوصّل إلى تسويةٍ سياسيةٍ مع الولايات المتحدة تحفظ ماء الوجه، وتكرّس توازن ردعٍ جديدٍ، في هذه الحالة، قد يمنح ذلك المقاومة الفلسطينية نفساً جديداً، ويفتح المجال أمام استئناف المفاوضات من موقعٍ أقوى نسبياً، غير أنّ هذا السيناريو يبقى محفوفاً بالمخاطر، إذ قد يؤدّي إلى جولاتٍ جديدةٍ من التصعيد العسكري، مع ما يترتّب على ذلك من مزيدٍ من الدمار والمعاناة للشعب الفلسطيني. قد تعيد الحرب الدائرة على إيران ولبنان ترتيب تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بقطاع غزّة في المدى البعيد بطرقٍ متعدّدةٍ، فإذا أدّت هذه المواجهة إلى تصعيدٍ إقليميٍّ واسع النطاق، فقد يُفتَح الباب أمام تحوّلاتٍ كبيرةٍ في توازنات القوى في المنطقة في المحصلة تكشف التحوّلات الراهنة بوضوحٍ أن مصير قطاع غزّة لا ينفصل عن السياق الإقليمي الأوسع، فحين تتغير أولويات الصراع في المنطقة، تتغير معها طبيعة الضغوط والتهديدات الّتي يتعرّض لها القطاع، ويمكن القول إنّ الحرب على إيران وحزب الله قد خففت مؤقّتاً من حدّة التهديدات العسكرية المباشرة على القطاع، لكنّها في الوقت ذاته أسهمت في إزاحة جزءٍ كبيرٍ من الاهتمام الدولي عن معاناة سكّانه الكارثية، وبين هذين العاملين المتناقضين، يجد القطاع نفسه مرةً أخرى في قلب لعبة التوازنات الإقليمية، إذ تتحدّد ملامح مستقبله بقدر ما تتشكل على أرضه، وبقدر ما تتحدّد أيضاً في ساحات الصراع الأوسع في الشرق الأوسط. تبقى القضيّة الفلسطينية، رغم محاولات تهميشها المتكررة، أو تجاوزها، في خضمّ الصراعات الإقليمية، عنصراً مركزياً في معادلة الاستقرار في المنطقة، وقد أثبتت التجارب المتكررة أنّ تجاهلها بامتداداتها لا يؤدّي إلى إنهائها، بل يساهم في إعادة إنتاجها بأشكالٍ أكثر تعقيداً وعنفاً، ما يجعل قطاع غزّة عنواناً دائماً للأزمة، وحاضراً دائماً في معادلاتها، حتّى عندما تغيب عن وسائل الاعلام.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية