عربي
من مجمل ردّات الفعل الّتي تواترت وما تزال تتواتر في إسرائيل على ضوء الحرب العدوانية الّتي شنتها مع الولايات المتّحدة على إيران منذ يوم 28 فبراير/شباط 2026، والّتي أتبعتها بشنّ حرب رابعة على لبنان بعد أن أقدم حزب الله على قصف الأراضي الإسرائيلية بالصواريخ، ينبغي أن نتوقف عند ما يلي في كلّ ما يتعلّق بتبعات هذه الحرب على مستقبل سياسة إسرائيل الإقليمية.
تمثّلت ردّة الفعل الأولى في إعادة إنتاج "حُكم القيمة" بأنّ شعوب العالم الثالث، على غرار إيران، ليست أهلاً لا للديمقراطية ولا للحريّة والعدالة الاجتماعية، بدايةً في سبيل زيادة القناعة بأن الولايات المتّحدة وكذلك أوروبا لا قبل لهما بفهم هذه الشعوب وعقليتها وإرثها، وثانياً بغية تأجيج الإسلاموفوبيا. ووفقاً لما كتب أحد الأساتذة الجامعيين، وهو خبير بارز أيضاً في شؤون الأمن القومي، تنكّر معظم زعماء الولايات المتّحدة في العقود القليلة الماضية لحقيقة أنّ المجتمعات القبلية وما قبل الحداثية في المنطقة لا ترى أنّ الحياة الجيدة يمكن أن تترتّب على تبنّي قيم الديمقراطية والتسوية والسلام والتعددية ومساواة النساء ورفاهية الفرد وحريته، بل هي تحصيل حاصل هذيان استعادة الماضي التليد، والتعويض عن مشاعر النقص الّتي تراكمت خلال المواجهة الفاشلة مع العالم العصريّ. يُشار إلى أنّه قبل هذا الكلام بأعوام كثيرة كتب أكاديمي إسرائيلي آخر أنه لا يمكن الوثوق بالديمقراطية لمعالجة مشكلات "مجتمعات مُحرّضة وجاهلة"، في إشارة مباشرة إلى المجتمعات العربية كما إلى المجتمع الإيراني.
إقرار "الحدود النهائية" حيث تكون "قابلةً للدفاع عنها" ما يستلزم الاحتفاظ بمواقع استراتيجية مثل غور الأردنّ أو هضبة الجولان أو لبنان
وشدّدت ردّة الفعل الثانية على خلاصة قديمة- جديدة فحواها أنّه في كل ما يتعلق بأمن دولة الاحتلال الآن وإلى الأبد، لا يمكنها سوى الاعتماد على نفسها وقوّة ذراعها العسكرية، طبعاً من خلال الاستقواء بالدعم الأميركي. وبموجب ما صرّح به أكثر من مسؤول إسرائيلي، وما كتبه أكثر من مسؤول سابق ومحلّل سياسيّ اهتدى بهذه الخلاصة جميع زعماء إسرائيل بدءاً من ديفيد بن غوريون وصولاً إلى بنيامين نتنياهو، ولا سيّما حيال مسألتين متصلتين بالموضوع؛ الأولى، إقرار "الحدود النهائية" حيث تكون "قابلةً للدفاع عنها" ما يستلزم الاحتفاظ بمواقع استراتيجية مثل غور الأردنّ أو هضبة الجولان أو لبنان؛ والثانية، الحفاظ على مكانة إسرائيل الأمنية في المنطقة الجغرافية كلها، الواقعة بين نهر الأردنّ والبحر الأبيض المتوسط.
أمّا ردة الفعل الثالثة فتجسدت في تثمين "اتّفاقات أبراهام" لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية. ومثلما كتب أحد الوزراء الإسرائيليين السابقين، وهو بالمناسبة من التيار العمالي، وضعت هذه الاتفاقات المدماك المطلوب للكفّ عن النظر إلى إسرائيل بأنها جذر الشرور في الشرق الأوسط، في ما ينبغي أن تدفع وقائع هذه الحرب نحو إقامة قوّة إقليمية أمنية جديدة في هذه المنطقة لمواجهة أعداء مشتركين، مرتبطون جميعاً بحبل سرتهم مع نظام الملالي في إيران، وربما تعتمد على نفسها فقط، من دون أي قوى خارجية، بما في ذلك الولايات المتّحدة، وتكون مستندةً إلى القوّة الاقتصادية الهائلة للدول المطبِّعة، ولا سيّما من منطقة الخليج، وإلى القوّة العسكرية والتكنولوجية لإسرائيل. ويعتقد صاحب هذه المقاربة أنّه بهذا المسار بوسع إسرائيل أن تثبت لواشنطن مبلغ قيمتها وجدواها دولةً يمكنها أن تساعد في الحفاظ على المصالح الأميركية في المنطقة، وذلك على خلفية المنحى الّذي قد يسيطر على السياسة الأميركية، المتعلق برغبة النأي بالنفس عن أي مواقد توتر في العالم والتفرّغ لمواجهة المشكلات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية والتحديات الخارجية وخصوصاً تلك الآتية من جانب الصين.
