عربي
كعادتها بعد كل فصل جديد موثّق من اعتداءات جنودها ومجموعات إرهابية من المستوطنين على فلسطينيين أو ناشطي حقوق إنسان أو طواقم صحافية في الضفة الغربية المحتلة، تسارع الحكومة الإسرائيلية لتصنّع التنصّل من الأفعال الإرهابية بطرق مختلفة، والتغطية عليها عادة بتصريحات خجولة أو خطوات وهمية، وهو ما تفعله هذه المرة أيضاً على ما يبدو، في ظل الانتقادات المتواترة من قبل مسؤولين أميركيين للإرهاب اليهودي في الضفة، وبعد فضح اعتداء جنود قبل أيام على فريق شبكة "سي أن أن" الأميركية خلال تسليطه الضوء على تداعيات اعتداء نفذه مستوطنون على فلسطيني، وإنشاء بؤرة استيطانية قرب قرية تياسير في طوباس شمالي الضفة.
آخر الخطوات المشكوك في أمرها والتي جاءت لامتصاص غضب الأميركيين بعد فضيحة الجنود المعتدين على طاقم القناة أمام العالم، والتي وصفتها وسائل إعلام عبرية، اليوم الاثنين، بأنها غير مسبوقة، ترتبط بتعليق نشاط كتيبة الاحتياط 941 المسمّاة "نيتسح يسرائيل"، وتعود جذورها إلى كتيبة "نيتسح يهودا" المتطرفة.
وأشهر الجنود السلاح في وجه الطاقم، وقالوا إن كل أراضي الضفة الغربية تعود لليهود، فضلاً عن التفوّه بعبارات أخرى ومطالبتهم بإطفاء الكاميرات. وبعد الفضيحة التي تسبب بها ذلك لدولة الاحتلال، تم استبعاد جنود الاحتياط، وقيل لهم إن أمامهم 24 ساعة لجمع أغراضهم والعودة إلى منازلهم، على الأقل حتى ما بعد عيد الفصح اليهودي (بيسح).
ومن بين الصحافيين الذين كانوا ضمن فريق "سي أن أن" أثناء الاعتداء عليه يوم الخميس الماضي، المنتجة عبير سليمان التي كانت قبل واقعة الجنود بأيام فقط قد تعرضت لاعتداء من قبل عنصر بوحدة خاصة في البلدة القديمة بالقدس المحتلة خلال عملها، ما أسفر عن كسر يدها.
View this post on Instagram
A post shared by العربي الجديد (@alaraby_ar)
وقالت سليمان في حديث لـ"العربي الجديد" إن الصمت لم يعد خياراً بعد الاعتداء الأخير، مضيفة حول ما حدث: "كنت أتقدّم الفريق عندما رفع الجنود سلاحهم علينا، وطلبت من زملائي الجلوس على الأرض. أكدنا عدة مرات أننا فريق صحافي، ورد عليّ أحد الجنود بأنه لا يكترث لذلك، وتهجّم علينا ورفع سلاحه بوجهنا. كان يرافقنا أطفال من العائلة التي توجّهنا إلى منزلها في تياسير لتغطية تعرض مسن لاعتداء وحشي من قبل مستوطنين على مقربة من بؤرة استيطانية". وأضافت: "لقد أرعبوا الأطفال الذين كانوا قبل ذلك فرحين يتفاعلون مع الطاقم ووجود الكاميرات ثم ارتبكوا ولم يعرفوا كيف يتصرّفون، فرفعوا أيديهم للأعلى، ثم جلسوا على الأرض. كان مشهدهم يحطّم القلب". وترى سليمان أنّ ما أثار كل هذه الضجة أنّ "الاعتداء علينا كان موثّقاً بالفيديو. كان الجنود يصرون علينا لإطفاء الكاميرات حتى كاميرات هواتفنا. شعرنا أنّ كل ما حدث كان مع سبق الإصرار والترصد".
نهج متكرر ومفضوح
ما تعرض له فريق القناة الأميركية ليس شاذاً عن اعتداءات متكررة في الضفة، ينفذها جنود أو مستوطنون أو من يعتمرون كلتا القبعتين معاً، ويتعرّضون خلالها لصحافيين وناشطين. ومن بين الحالات التي اطلّع "العربي الجديد" على تفاصليها، تعرُّض صحافيين من الداخل الفلسطيني (48) لمضايقات من قبل جندي في "نيتساح يهودا" خلال جولة في منطقة قرية المغيّر في الضفة في الأشهر الأخيرة. وقالت إحدى المشاركات لـ"العربي الجديد": "عندما كنّا نصور في المنطقة، اقترب جندي وسألنا عمّا نفعل. أخبرناه أننا صحافيون، حتى إن بعضنا أوضح أننا نحمل الجنسية الإسرائيلية، لكنّه لم يتراجع عن مضايقتنا. زعم أن التصوير ممنوع وهذا لم يكن صحيحاً، وتفوّه بأن جميع العرب إرهابيون. ثم توجّه إلى يهودي يرافقنا، وهو منظم الجولة من منظمة "ننظر للاحتلال بعيونه" وسأله لماذا ترافق مخربين؟".
تزامن فضح الاعتداء على الفريق الصحافي الأميركي مع تصاعد أصوات حتى في إسرائيل، في الآونة الاخيرة، بعضها خشية على إسرائيل من نفسها وليس بالضرورة رفضاً للفكرة، تعرّف ما يحدث في الضفة الغربية المحتلة بأنه "إرهاب يهودي"، فيما التوثيق المصوّر كان يعني عملياً أن ثمة أطرافاً في الجيش تدعم سلوك المستوطنين، بل وتتصرّف مثلهم. وهذا يؤكد تقارير سابقة كثيرة تحدّثت عن انخراط جنود مع المستوطنين في اعتداءاتهم الإرهابية على الفلسطينيين. ورغم إعلان جيش الاحتلال عن استبعاد الكتيبة، إضافة إلى موجة الإدانات الإسرائيلية الأخيرة، أو تلك التي تدعي إدانة ما يحدث، إلا أنه لا يوجد ما يدعو إلى التفاؤل حقاً بأن إسرائيل قد تقوض الإرهاب اليهودي في الضفة، ذلك أن المستوطنين، وحتى الجنود، لطالماً وجدواً دعماً تاماً من قبل أوساط في حكومة الاحتلال. يضاف إلى ذلك أن هذا النهج الإسرائيلي يتكرر بعد كل أزمة تعقبها انتقادات أميركية لاحتوائها وتصغيرها، ولا ينم فعلاً عن صحوة ضمير المسؤولين بشكل مفاجئ ورفضهم الإرهاب في عهد حكومة نقلت الاستيطان في الضفة إلى مستويات غير مسبوقة. وعليه، يُعتبر ذلك، حتى بنظر بعض الأقلام الإسرائيلية، ردّاً متوقّعاً على تصريحات صدرت عن جهات في الإدارة الأميركية، وظاهرة متكررة تحدث عندما يتجاوز العنف حدود القدرة على الإنكار أو عندما تُصدر الإدارة الأميركية إدانة.
"حلول علاجية"!
لطالما حاولت إسرائيل ترويج أن قلة من جنودها ومستوطنيها يمارسون الإرهاب، علماً أنّ هذا يخالف الوقائع على الأرض. ويبدو أنها تحاول الآن ترويج أن منهم من يحتاجون إلى رعاية وعلاج لتقويم سلوكهم. ربما يعني هذا أيضاً أنّها تصوّرهم ضحايا لواقع ما، ويحتاجون من يرشدهم.
ونقل موقع "واينت" العبري، اليوم الاثنين، ادّعاء مصادر مطلعة أن اتخاذ قرار إبعاد الكتيبة جاء بهدف خلق ردع داخل صفوف الجنود، فيما عبّر جنود عمّا وصفوه بصدمتهم من العقوبة الجماعية التي يقولون إنها جاءت مباشرة بتوجيه من رئيس الأركان إيال زامير. وعبّر ضابط في الكتيبة عن غضبه مما وصفه بـ"مخالفة واحدة ارتكبها جندي واحد"، متجاهلاً الاعتداءات المتكررة، ومعتبراً أنه "لا يوجد أي عزاء في أن يرسلوا الناس إلى بيوتهم عشية عيد الفصح اليهودي (بيسح). يعرفون كيف يستدعونك عندما يريدون، ثم يبصقون عليك". ويبدو أن الضابط المذكور يعيش حالة إنكار، أو يفسر الإرهاب بطريقته الخاصة، لكنه ليس شاذاً بذلك عن كثير من الجنود والمستوطنين، أو حتى عن أوساط من داخل الحكومة، والتي من المتوقّع، وفق صحيفة "هآرتس" العبرية، أن تعرض قريباً خطوات إضافية "لتعزيز الحلول العلاجية" للارتفاع في الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية.
ويعني ذلك عدم محاسبتهم، رغم تزايد المطالب الدولية بتشديد تطبيق القانون ضد إرهاب المستوطنين، في ظل جرائمهم المتواصلة ضد الفلسطينيين، وتصاعدها في الأشهر الأخيرة. وتهدف خطوة الحكومة إلى "توسيع الدعم التعليمي والعلاجي لأبناء الشبيبة" الذين قد يشاركون في الاعتداءات الإرهابية العنيفة في الضفة، وبذلك تحاول إسرائيل، وفي محاولة للدفاع عن سمعتها، عرض المشكلة باعتبارها قضية تتعلق بالتربية والرفاه الاجتماعي لا جريمة قومية.
إلى ذلك، نقلت "هآرتس"، عن مصدر مطّلع، أنه خلال نقاش في الأيام الأخيرة، اطلع الوزراء على الضرر الذي لحق بإسرائيل على الساحة الدولية بسبب الأحداث في الضفة. وأكّد المصدر أن الوزراء قرروا اتخاذ خطوات إضافية في محاولة للتعامل مع موجة الأحداث، لكنه رفض الكشف عن ماهية القرارات التي اتُّخذت.
وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد صرّح بأن بلاده قلقة من إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية. وقال للصحافيين: "أعتقد أنكم سترون حكومة إسرائيل تقوم بشيء بهذا الخصوص". وانضم روبيو إلى سلسلة من المسؤولين الذين أدانوا في الآونة الأخيرة الارتفاع في الإرهاب اليهودي في الضفة، بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، وسفير الولايات المتحدة في تل أبيب مايك هاكابي الذي حذّر مؤخراً من الأضرار التراكمية للجريمة القومية، رغم أنه من الداعين إلى تعزيز الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، ومن أكثر المسؤولين الأميركيين تماهياً مع سياسات دولة الاحتلال.
تحت تأثير الانتقادات الدولية، عقد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عدة مشاورات حول الموضوع في الأسابيع الأخيرة. ويدّعي مصدر مطّلع على هذه المشاورات أن نتنياهو طلب من وزير الأمن يسرائيل كاتس ومن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير توسيع الجهود للقضاء على الظاهرة. وفي الوقت نفسه، دعا وزراء الحكومة إلى إدانة العنف علناً والتأكيد أنه لا يعكس سلوك الغالبية الساحقة من جمهور المستوطنين.
ونشر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أخيراً مقالاً في صحيفة "مكور ريشون" اليمينية، قال فيه إنه "لا يجوز تجاهل حقيقة أنه توجد بالفعل في الهامش ظواهر عنف تُعرّض مشروع الاستيطان كله للخطر"، على الرغم من أن الوزير نفسه ظهر في فيديو قرب قرية العوجا الفلسطينية، شرقي الضفة، متباهياً بما اعتبره "إنجازَ" المستوطنين الذي هجروا القرية تحت ضغط حملة إرهابية يومية استمرت نحو ثلاث سنوات، مارس الإرهابيون خلالها شتى أشكال الاعتداء الجسدي والنفسي على سكان القرية البدوية، إلى حد اقتحام بيوتهم والتبول داخلها. ومع ذلك، أضاف سموتريتش: "لا يجوز أن نلعب لصالح حملة كاذبة ومنسّقة، تهدف إلى تصوير الاستيطان في يهودا والسامرة (التسمية الإسرائيلية للضفة الغربية المحتلة) وإسرائيل كلها مشروعاً غير شرعي أخلاقياً وسياسياً".
وقد يشير "الهامش" الذي يتحدث عنه سموتريتش، رغم اتساع ظاهرة الإرهابيين اليهود في الضفة، إلى النيات الحقيقية لحكومة الاحتلال وكيفية نظرتها إلى الحاصل. تضاف إلى ذلك خطوة وزير الأمن يسرائيل كاتس، الذي سبق أن قرر إلغاء استخدام أوامر الاعتقال الإداري ضد اليهود، بينما وزير الأمن القومي بن غفير، بحسب مصادر اسرائيلية، مقتنع بضرورة تركيز نشاط الشرطة على ما يصفه بالإرهاب الفلسطيني، وليس على العنف المنظّم الذي يرتكبه يهود.
في السياق، نقلت "هآرتس"، قبل أيام قليلة، أنه في ظلّ الضغط الأميركي، سُرِّبت نية الحكومة اتخاذ خطوة عملية، منها إنشاء وحدة في وزارة الأمن تُعنى بالمستوطنين في البؤر الاستيطانية، الذين يتحمّلون مسؤولية جزء كبير من الإرهاب ضد الفلسطينيين. وسيُخصَّص للوحدة مبلغ 130 مليون شيكل خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وربما أثار ذلك انطباعاً إيجابياً في واشنطن، لكن ضابطاً كبيراً في الاحتياط، لم تسمّه الصحيفة، قدّر أن الأموال ستصل في نهاية المطاف إلى المجالس الاستيطانية في الضفة، ومن هناك ستُستخدم لخدمة البؤر الاستيطانية، بدل معالجة الأسباب الجذرية للعنف. وأضاف: "هذا تضليل". وتابع: "المشكلة ليست المال. ما نحتاجه هو أن يفرض الجيش والشرطة والشاباك تطبيق القانون، وأن يجري الجيش بعض التحقيقات ويقيل قادة لم يتعاملوا كما يجب مع العنف. هذا وحده سيُوصل الرسالة".

أخبار ذات صلة.
مدرب الحزم: أنا غاضب
الشرق الأوسط
منذ 4 دقائق
3 أفكار لبرنامج هالة سرحان المرتقب
العين الإخبارية
منذ 17 دقيقة