عربي
في الكواليس قبل التصوير، أخبرني ضيف الحلقة (برنامج ضفاف / تلفزيون العربي)، وهو مايسترو كان يستعد لتقديم حفل موسيقي خلال إحدى زيارات دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، أن فريق التنظيم تلقى طلباً مُحدّداً من ترامب: أن تُعزف مقطوعة What A Wonderful World، بصوت الموسيقي والمغني لويس أرمسترونغ، لأنها أغنيته المفضلة. يُفضّل سيّد البيت الأبيض أن يرى العالم "رائعاً"، بينما ترسم بوارجه وطائراته خلف النوافذ حقيقةً مغايرة تماماً.
الأغنية الأشهر لأرمسترونغ، التي أدّاها عام 1967 في ذروة حرب فيتنام، احتفت بجمال بسيط: أشجار خضراء، وسماء زرقاء، وسحب بيضاء، وأطفال يكبرون في سلام. أرادت الأغنية آنذاك تذكير العالم بالحياة وسط الدمار.
بعد أكثر من نصف قرن، يعود المشهد نفسه تقريباً. رئيس يتغنّى بإنهاء الحروب، يدّعي أنه أوقف ثماني منها، ويقدّم نفسه مرشّحاً أحقّ بنوبل للسلام من غيره. بعيداً عن عالمه المتخيل "الرائع"، لا يتوقف ترامب عن شن الحروب ودعمها، من غزة إلى إيران، ولا عن خطف الرؤساء كما في فنزويلا، ولا تهديد سيادة البلدان، والرغبة في الاستيلاء عليها، كما غرينلاند وكوبا. كل ذلك باسم السلام وتحرير الشعوب. التدخل الأميركي بحسب ترامب ليس حرباً، إنه إنقاذ. أعمدة الدخان الأسود، بفعل قنابله وطائراته، جزء من عالمه الطفولي الجميل، الذي يدندن به عندما يسمع عن جمال السحب البيضاء، والسماء الزرقاء، كما يغنيها أرمسترونغ.
يأتي ترامب إلى الشرق الأوسط، ويرغب في سماع أغنيته المفضلة، "يا له من عالم رائع". المكان الذي أشعله بنفسه بنيران الحروب، التي يدعي إنهاءها. حقيقة، لا تبدو المفارقة صادمة، بقدر ما تبدو منطقية، في تعريفه الخاص للجمال. فهو، عندما وصف المعدات العسكرية الأميركية، وتحديداً طائرات F-35 الشبحية، قال: "نحن نصنع أفضل المعدّات في العالم. طائراتنا جميلة، إلى درجة أنك لا تستطيع رؤيتها". وعندما وصف الضربات الصاروخية على سورية، قال: "أطلقنا صواريخ جميلة وذكية وفتّاكة. كانت تقنية مذهلة. إنه شيء لا يُصدّق".
في اللحظة التي سمعتُ فيها ما قاله الضيف، عن رغبة ترامب، تخيّلته "بطلاً" هوليوودياً كلاسيكياً: يمشي ببطء وثقة مبالغ بها، ويشعل سيجاراً، وخلفه عالم مشتعل يتهاوى، لكن على أنغام الأغنية نفسها.
هذه ليست مفارقة سياسية فحسب، بل سينمائية أيضاً. إنّها الصورة التي كرّستها السينما الهوليوودية لعقود: الأميركي بوصفه البطل المخلص الذي ينقذ العالم. الرجل الذي يتدخل حين يعجز الآخرون، ويواجه الشرّ الكوني، أكان نظاماً استبدادياً، أم غزواً فضائياً، أم كارثة كونية.
يعود جذر هذه الصورة إلى الحرب العالمية الثانية، مع جاك كيربي (1917 ـ 1994)، رسّام القصص المُصوّرة، وأحد أبرز مهندسي الخيال البصري الأميركي في القرن العشرين. في مسيرة ستة عقود، ابتكر شخصيات أيقونية: كابتن أميركا، ثور، هالك، آيرون مان. أسهم في تشكيل ملامح عالم "مارفل"، الذي سيغزو لاحقاً السينما العالمية.
لكن أهميته لا تكمن فقط في إبداعه الفني، بل في علاقته المباشرة بالحرب، وفي كيفية تحويله التجربة القتالية إلى مادة أسطورية و"جمالية" في المخيال الأميركي. كيربي كان جندياً في الجيش الأميركي. وصل إلى نورماندي بعد أيام من الإنزال الشهير، عام 1944، فعاش عن قرب فوضى المعركة ودمويتها.
يتكثّف المشروع البصري لجاك كيربي في لحظات أيقونية، مثل غلاف كابتن أميركا يلكم هتلر. صورة تبدو لوهلة تعبيراً عن موقف سياسي، لكنها في العمق تختزل بنية كاملة من البروباغندا الفعّالة. لم يكن معنياً بتوثيق مأساة الحرب، بقدر ما أعاد صياغتها في ما يُسمّى "جماليات التدمير"، إذْ تتحوّل الآلة العسكرية الأميركية إلى أداة خلاص كوني، ويُعاد تأطير العنف بوصفه فعلاً أخلاقياً ضرورياً.
تحوّل الجندي إلى كائن شبه خارق، يمتلك شرعية مطلقة لسحق خصومه. هذه الأسطَرة أساس صورة البطل الذي لا يُهزم، التي (الصورة) ستصبح لاحقاً العمود الفقري للثقافة الشعبية الأميركية.
لم تبقَ هذه الرؤية حبيسة القصص المُصوّرة، إذْ تبنّتها هوليوود وطوّرتها إلى "علامة تجارية" عالمية، تعيد إنتاج الحروب بوصفها مغامرات بطولية مُشبعة بالإبهار، يُقدّم فيها العنف ضرورةً أخلاقية. هذا التوظيف السينمائي رسّخ ما يُعرف بـ"سيكولوجية المنتصر". ترامب يستبطن هذه الصُوَر جملةً وتفصيلاً؛ فنشر صورة له، تحتها جملة واحدة: السلام من خلال القوة.
ناقش الصحافي والناقد السينمائي الأميركي ستيفن برنس، في كتابه Visions of Empire: Political Imagery in Contemporary American Film، كيف أعادت هوليوود صياغة التدخلات العسكرية الأميركية، في فيتنام وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، ليس بوصفها أفعالاً سياسية أو إمبريالية، بل تطبيعاً لفكرة التدخل، باعتباره "ضرورة أخلاقية"، ومعارك بين الخير والشر.
هذه الرؤية تبدو جلية في تصريحات ترامب، وفي تصريحات داعميه والمؤيدين له، مثل عضو الكونغرس آندي أوغلز، الذي كتب أخيراً: "هذه معركة بين الخير والشر. يجب أن نعيد التأكيد أنّ أمتنا بُنيت على مبادئ مسيحية"، مُرفقاً بصورة لثلاثة رجال يرتدون دروع فرسان العصور الوسطى (فرسان الهيكل)، تحمل صليباً أحمر. تصريحات وزير الحرب الأميركي تنسج على المنوال نفسه، وأكثر من أن تُحصى.
تتكرّر هذه السردية عبر أنواع سينمائية مختلفة. في Independence Day، يقود الرئيس الأميركي البشرية إلى هزيمة غزو فضائي. في Armageddon، يُنقذ عمّال نفط أميركيون الأرض من كارثة كونية. حتى في الأفلام "الواقعية"، مثل Black Hawk Down وAmerican Sniper، يُعاد إنتاج البطل نفسه، الذي يقاتل الفوضى، ويعيد النظام. في كل هذه الأعمال، لا يظهر الأميركي جندياً فحسب، بل حامل رسالة أخلاقية عالمية، تتحوّل فيها القوة العسكرية والعنف الدموي إلى فضيلة "جمالية".
في The Covenant (العهد الأميركي، 2023)، يبذل جندي أميركي المستحيل لإنقاذ مترجمه الأفغاني، المُهدّد من طالبان باعتباره "عميلاً"، مُقدّماً نفسه رمزاً للتضحية والوفاء والنبل. لكن الواقع مختلف تماماً: انسحاب القوات الأميركية من كابول، عام 2021، كشف أنّ الولايات المتحدة تترك حلفاءها لمواجهة الموت وحدهم، بينما تتحوّل الوعود إلى كذب مرئي. مشاهد الأفغان، المعلّقين على عجلات الطائرات المُغادرة، تبدو أقرب إلى ديستوبيا حية. تكرّر المشهد نفسه يوم الانسحاب الأميركي من فيتنام. هذا تجيده الولايات المتحدة: قلب الحقائق، والتخلّي عن الحلفاء، ثم إنتاج أفلام تقول عكس ذلك تماماً، مُكرّسة تلك الفجوة بين الأسطورة والفعل، وبين الحقيقة والزيف.
في العقود الماضية، شهدت المنطقة حروباً خلّفت دماراً هائلاً للبنى التحتية والمدن والآثار، وأسفرت عن مئات آلاف الضحايا، وإغراق المنطقة بالفوضى السياسية المستمرة. العراق وأفغانستان مثالان، إذْ رُوّج لهاتين الحربين على أنهما حملتان لنشر الديمقراطية ومكافحة الشر والإرهاب، بالشعار الشهير: "إما معنا أو مع الإرهاب".
هذا عالم ترامب الرائع، الذي يتغنّى به: ضحايا أبرياء، حضارات مدمَّرة، صواريخ "جميلة" وذكية، طائرات فتّاكة مذهلة، حرب مباركة. أي عالم لن يكون "رائعاً" إلّا إذا سار بمنظوره الخاضع للسيطرة والهيمنة والنهب. هكذا يدمِّرُ العالم، ويُهدي إليه أغنية "يا له من عالم رائع".
(كاتبة من أسرة التلفزيون العربي)
