عربي
تعمل السورية منال عبد الرحمن في مهنة جلي البلاط الشاقة منذ عام 2017، وهي مهنة غير شائعة بين النساء في سورية وفي دولٍ عدّة، نظراً إلى ما تتطلبه من مجهود فائق ومخاطر عالية. وتقول في حديث خاص لـ"العربي الجديد" إنّ إصابة زوجها بالشلل بعد حادث سير وضعتها في مواجهة ظروف الحياة بشكل منفرد، خصوصاً أنّ أسرتها تتألف من خمسة أطفال ينتظرون لقمة العيش وسط ظروف اقتصادية واجتماعية معقدة.
تنقلت منال طيلة 16 عاماً بين مهنٍ متعددة قبل أن تُقنِع زوج ابنتها بأن يسمح لها بالعمل معه ضمن ورش البناء التي يديرها، حيث كان يعمل في مهنٍ متنوّعة، من بينها جلي الرخام والبلاط، وهو العمل الذي تطلّب منها جرأة استثنائية لكسر الصورة النمطية السائدة.
وتقول الوالدة الخمسينية: "قبل ثمانية أعوام بدأتُ العمل في مهنة جلي البلاط. في المراحل الأولى كان عملي يقتصر على مساعدة صهري ضمن الورش التي يعمل بها، حيث كنتُ أقوم فقط بمهام المسح والتنظيف بعد مرور آلة جلي البلاط، وأحصل على أجر يومي بسيط. لكن الأمر تبدّل بعد ثلاثة أشهر، إذ أتقنتُ استخدام آلة الجلي، وبدأت بالعمل بشكل منفرد تحت إشراف زوج ابنتي إلى أن أتقنت المهنة بشكل كامل".
تعيش منال في قرية الطواحين التابعة لمدينة القدموس في ريف محافظة طرطوس غربي سورية، وتقول: "يحتاج العمل في جلي البلاط إلى بُنية عضلية مناسبة، فآلة جلي البلاط يجب أن تُحرّك باستمرار، وبحذر، مع ما تتطلّبه من قوة بدنية كافية للسيطرة عليها، بما يمنع حدوث أي مشكلة خلال عملية الجلي قد تفضي إلى تلف الآلة أو البلاط أو إلى أضرار جسدية تلحق بالعامل في حال لم يكن متمكناً من عمله ومتقناً لطريقة عمل الآلة".
يُعدّ جلي البلاط المرحلة الأخيرة من مراحل بناء المنازل، وتتمّ بعد إنجاز أعمال الدهان وتركيب الإنارة في شكلهما النهائي. وهي عملية تقوم على تنظيف الأرضيات المصنوعة من الرخام والبلاط من الشوائب، وما قد يلحقهما من تلوث خلال عملية الدهان. وهناك مرحلة من جلي البلاط تُوصف بالخطرة وهي الأخيرة منه، إذ يجري تنعيم أسطح الأرضيات وتلميعها، بحيث يصبح المنزل جاهزاً للسكن.
وتوضح منال أنّها حينما قرّرت الانفراد بالعمل، كان من الصعب الحصول على آلة الجلي ومولّدٍ للتيار الكهربائي لتشغيلها، وبعد محاولات عدّة تمكنتْ من الحصول على تمويل لمشروع من قبل إحدى الجمعيات الخيرية، واشترت الآلة وبدأت بتحدٍّ جديد يتمثل بإقناع الزبائن بأنّها قادرة على تنفيذ العمل.
اعتمدت منال على زوج ابنتها في تأمين الزبائن لها، ومن خلال عمله في تعهد بناء الشقق وإكسائها، كان يسند إليها مرحلة جلي البلاط في كل مرة، ولأنها كانت تحتاج إلى مساعدٍ يقوم بأعمال التنظيف معها، وظّفت بدايةً ابنتها الثانية، ومن ثم لجأت إلى توظيف نساء أخريات، وفي كل مرة كانت تحصل فيها على مساعِدة جديدة، لأن سابقتها تركت العمل بسبب المجهود الكبير والخطر الذي يسبّبه العمل وسط انعدام وسائل الحماية الكافية.
وتقول منال: "العمل في جلي البلاط مهنة خطرة، وفي إحدى المرّات انقطعت أسلاك الكهرباء الموصولة إلى آلة الجلي نتيجة مرور الآلة فوق هذه الأسلاك، فحدث تماسّ كهربائي خطير بسبب ارتفاع شدة التيار الكهربائي من جهة، ووجود المياه على الأرض من جهة ثانية، لكنّني نجوتُ بأعجوبة بعد أن تمكنتُ من الوصول إلى مولّد الكهرباء وقطع التيار. في ذلك اليوم، تعرّضتُ لخسارة نتيجة إصابة الآلة بأعطال، لكن الأضرار اقتصرت على الماديات".
تقتصر وسائل الحماية في عمل منال على الحذاء البلاستيكي الطويل الذي ترتديه في أثناء عملية جلي البلاط، وهذا أمر شائع في المهن الشاقة في سورية، إذ لا تتوفر وسائل الأمان اللازمة، ولا الملابس أو الأحذية التي يمكن أن تعزّز حماية عمّال البناء أو المهن الخطرة. وتضيف منال: "مرحلة التلميع أخطر مراحل جلي البلاط نتيجة تحرك رؤوس الآلة بسرعة كبيرة فوق سطح أملس قد يؤدي إلى انزلاق الآلة ووقوع الكارثة. هنا يحتاج العامل إلى بذل مجهود عضلي كبير لتثبيت الآلة وضمان عدم انزلاقها أو مرورها فوق أسلاك الكهرباء".
وبسبب الجهد العضلي الكبير الذي تبذله في مهنتها، تعاني منال اليوم إصابة مزمنة في الركبة نتيجة الوقوف الطويل والضغط المستمر، وتقول: "ليس هناك أي نوع من أنواع التأمين الصحي للعاملين في قطاع البناء ضمن سورية، خصوصاً أولئك الذين يعملون بشكل منفرد بعيداً عن الشركات. كما يعاني عمّال هذه المهن أمراضاً مزمنة نتيجة العمل الشاق، بينما يبقى التمتّع ببيئة عمل آمنة أحد أحلامنا التي لا يمكن أن تتحقق خلال فترة قريبة على ما يبدو".
منال التي لم تتمكن من متابعة دراستها بعد المرحلة الابتدائية، تشير إلى أنّها لم تتعرض للتنمر بسبب مهنتها إلا في حالات قليلة، وغالباً ما كان هناك داعمون من محيطها ومن أصحاب المنازل التي تقوم بجلي بلاطها وتجهيزها للسكن. وتتابع: "تقوم مهنتنا أساساً على الإتقان، وفي حال حظيتُ برضا صاحب المنزل عن النتيجة، فإنّه سينصح غيره من أصحاب الشقق بأن يسندوا إليّ مهمة جلي البلاط. وبغير الإتقان لا يمكن لأي حرفي أو عامل بناء أن يستمر في مهنته، أو أن يحصل على مزيدٍ من الفرص التي يمكن أن تحقق له الدخل الكريم".
على الرغم من إتقان منال لعملها، تؤكد أن استمرارها في هذه المهنة الشاقة ليس من باب حبّها لها أو شعورها بالرضا عن ممارستها، لكن الحاجة هي السبب الوحيد في هذه الاستمرارية. وتقول: "طالما أنّني مُلزمة بها كمهنة وكمصدر للرزق، يجب عليّ ممارستها بإتقانٍ تامّ لضمان استمرارية عملي، لكنّني لا أمانع نهائياً الحصول على مهنةٍ تتناسب مع البُنية العضلية للمرأة أو تحقق لي دخلاً يكفي لإعالة أسرتي".
منال واحدة من النساء السوريات اللواتي خُضن تجارب فريدة في العمل خلال سنوات الحرب الطويلة التي عاشتها البلاد، إذ سُجّلت حالات لسائقات شاحنات، وأخريات عملن في مهنٍ شاقة مثل صناعة المفروشات. ولم يعد يستغرب الشارع السوري وجود نساء في مثل هذه المهن الشاقة، مع فهم الحاجة المادية التي قد تفرض شكلاً قسرياً من التغيير في حياة الفرد إنْ لم يجد فرصة العمل المناسبة أو تلك التي يحلم بها، وهكذا حال المرأة.
