هل ما يحدث مؤامرة أم إعادة تشكيل للعالم؟
عربي
منذ ساعة
مشاركة
لم تعد "نظرية المؤامرة" مجرد مادة جدلية تُتداول على هامش النقاشات العامة، بقدر ما تحولت إلى عدسة يحاول كثيرون من خلالها قراءة ما يجري في العالم. وبينما ظلّ الإعلام الرسمي يرفض هذه المقاربات، مستنداً إلى غياب الأدلة القاطعة، لم تختفِ جاذبية تلك السرديات، خصوصاً حين تتقاطع مع أحداث كبرى تركت أسئلة معلّقة، مثل هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وما تبعها من حروب أعادت تشكيل خرائط المنطقة. من أفغانستان إلى العراق، بدت المبررات الأميركية للتدخل العسكري محل شك واسع، وهي الشكوك ذاتها التي تتجدد اليوم مع تصاعد التوتر مع إيران. غير أن السياق هذه المرة مختلف؛ فطهران، بخلاف بغداد في مطلع الألفية، لم تدخل المواجهة دون استعداد، بل راكمت على مدى سنوات أدوات سياسية وعسكرية، إضافة إلى موقع جيوسياسي يمنحها قدرة على التأثير في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر عبر الذراع الخلفي الحوثي. في المقابل، لا تبدو الحرب بنطاقها الواسع في مصلحة أي من الطرفين، ما يعيد طرح السؤال التقليدي: من المستفيد؟ وهو سؤال يتكرر في كل أزمة كبرى، ويجد صداه في خطاب يشكك في الروايات الرسمية ويبحث عن مصالح خفية خلف الأحداث. طهران، بخلاف بغداد في مطلع الألفية، لم تدخل المواجهة دون استعداد، بل راكمت على مدى سنوات أدوات سياسية وعسكرية الإعلام العالمي، من جهته، يسلط الضوء بكثافة على تداعيات التصعيد في الشرق الأوسط، من تهديد الملاحة الدولية إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، في وقت تتراجع فيه أزمات أخرى عن الواجهة، كالحرب الروسية الأوكرانية أو النزاعات الداخلية في دول مثل السودان. هذا التركيز، وإن كان مبرراً بحجم التأثير الاقتصادي للمنطقة، يكشف أيضاً عن انتقائية في ترتيب الأولويات. في السياق ذاته، تبدو المقارنة بين الإدارات الأميركية مغرية. فالرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب، بخطابه الحاد وتصريحاته المثيرة للجدل، يختلف في أسلوبه عن سلفه جورج دبليو بوش، الذي قاد حرب العراق ضمن حسابات بدت، على الأقل ظاهرياً، أكثر انضباطاً من حيث التوقيت والاستعداد وضمان الانتصار. ومع ذلك، فإن النتيجة في الحالتين واحدة: حروب مكلفة أعادت رسم توازنات المنطقة لمصلحة جهة معينة. اليوم، يقف التصعيد عند مفترق طرق واضح: إما الانخراط في مسار تفاوضي يخفف من حدة التوتر ويجنب المنطقة والعالم تداعيات اقتصادية وأمنية واسعة، أو الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، كلما طال أمدها ازدادت كلفتها وتعقّدت فرص احتوائها. في الخلفية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى؛ فالولايات المتحدة تراقب الصين، وروسيا منشغلة بأوكرانيا وعينها على أوروبا، وبكين تتأهب لتايوان، فيما تجد إسرائيل في هذا المشهد بيئة مواتية لتحركاتها. إنه مشهد معقد يعيد طرح تساؤل أكبر: هل نحن أمام إعادة تشكيل للنظام الدولي؟ أم أن هناك مؤامرة تُحاك في الخفاء من جهات مستفيدة؟ تُظهر التجربة التاريخية للولايات المتحدة أن قراراتها العسكرية لم تكن يوماً عشوائية أو منفصلة عن حسابات الربح والخسارة. فعلى امتداد تاريخها، نادراً ما خاضت واشنطن حرباً وهي تتوقع الهزيمة، كما لم تُنهِ نزاعاً إلا بعد أن تراجعت كلفته الاستراتيجية مقارنة بمكاسبه. وحتى في الحربين العالميتين، لم تدخل الولايات المتحدة ساحة القتال إلا في المراحل الأخيرة، بما يحدّ من استنزافها ويعظّم عوائد تدخلها. نادراً ما خاضت واشنطن حرباً وهي تتوقع الهزيمة، كما لم تُنهِ نزاعاً إلا بعد أن تراجعت كلفته الاستراتيجية مقارنة بمكاسبه هذه البراغماتية انعكست في قدرتها على تحويل الحروب إلى أدوات نفوذ ومصادر مكاسب، وهو ما يدركه جيداً قارئ التاريخ، رغم استثناءات بارزة مثل حرب فيتنام، وغزو أفغانستان، والتدخل في الصومال. ومع ذلك، أثبتت واشنطن مراراً قدرتها على امتصاص خسائرها وإعادة تموضعها، كما حدث عقب الحرب الباردة التي انتهت بترسيخ هيمنتها على حساب الاتحاد السوفييتي. في السياق الراهن، يبدو المشهد الإيراني مختلفاً ومعقداً؛ إذ تتراكم عناصر الخسارة مع مرور الوقت من دون حسم واضح. فلم تتمكن الولايات المتحدة حتى الآن من إسقاط النظام الإيراني أو إعادة تشكيل المشهد بما يسمح لها بالسيطرة على الموارد، كما فعلت في العراق، أو تحقيق مكاسب بأقل كلفة كما في حالات أخرى. ومع ذلك، يبقى الهدف الأوسع حاضراً، ويتمثل في تقليص استفادة القوى المنافسة، وعلى رأسها الصين، من مصادر الطاقة الحيوية في إيران وفنزويلا. ربما لم تعد المسألة تتعلق بـ"نظرية مؤامرة" بقدر ما أصبحت محاولة لفهم عالم يتغير بسرعة، حيث تختلط الوقائع بالسرديات، وتتشابك المصالح إلى درجة يصعب معها الفصل بين ما هو مُعلن وما هو خفي.

أخبار ذات صلة.

( نوافذ يمنية) محرك بحث إخباري لا يتحمل أي مسؤولية قانونية عن المواد المنشورة فيه لأنها لا تعبر عن رأي الموقع..

جميع الحقوق محفوظة 2026 © نوافذ يمنية