الرشادبرس _ مقالات
مقال : إدريس الزعزعي
في مشهدٍ مهيبٍ يجسّدُ عُمقَ الروابطِ التاريخيةِ والمصيريةِ، شهدت مدينةُ تعز تظاهرةً مليونيةً حاشدةً، لم تكن مجردَ تعبيرٍ عن تضامنٍ لحظيٍّ، بل كانت تجسيداً لقناعةٍ راسخةٍ وتجربةٍ ممتدةٍ تؤكدُ وحدةَ الصفِّ والمصيرِ المشتركِ بين اليمنِ وأشقائِهِ في المملكةِ العربيةِ السعوديةِ، والكويتِ، وقطرَ، والإماراتِ، والبحرينِ، وعُمانَ، والأردن.
هذه الحشودُ الغفيرةُ التي جابت شوارعَ المدينةِ، لم تكتفِ برفعِ راياتِ التضامنِ، بل أطلقت صرخةً مدويةً تنددُ بالاعتداءاتِ الإيرانيةِ المتكررةِ، التي غدت تهددُ الأمنَ الإقليميَّ والدوليَّ على حدٍّ سواء.
إنّ موقفَ تعز -قلبِ اليمنِ النابضِ- ليس وليدَ ظرفٍ عابرٍ، بل هو نتاجُ إدراكٍ عميقٍ لمواقفَ أخويةٍ لا تُحصى، تؤكدُ أنَّ المملكةَ العربيةَ السعوديةَ ودولَ الخليجِ تمثلُ الركيزةَ الأساسيةَ للمشروعِ العربيِّ في المنطقةِ؛ ذلك المشروعُ الذي يواجهُ تحدياتٍ جسيمةً تستهدفُ استقرارَهُ ووحدتَهُ.
فالتدخلاتُ الإيرانيةُ، عِبْرَ أذرعِها التخريبيةِ، لا تقتصرُ على زعزعةِ أمنِ دولِ الخليجِ فحسب، بل تمتدُّ لتشكلَ انتهاكاً صارخاً للقوانينِ الدوليةِ، ضاربةً بعرضِ الحائطِ كلَّ مبادئِ حسنِ الجوارِ والسيادةِ الوطنيةِ.
لقد برهنت هذه التظاهرةُ المليونيةُ على أنَّ الشعبَ اليمنيَّ، مُمثَّلاً في أبناءِ تعز الصامدين، ومن قبلِهم أبناءُ مأربَ التاريخِ، يرى في أمنِ أشقائِهِ جزءاً لا يتجزأُ من أمنِهِ واستقرارِهِ. فما الاعتداءاتُ الإيرانيةُ إلا محاولةٌ يائسةٌ لتوسيعِ فجوةِ الصراعِ ونشرِ الفوضى عِبْرَ أدواتِها المتمثلةِ في ميليشيا الحوثي الإرهابيةِ، لتقويضِ النسيجِ الاجتماعيِّ والسياسيِّ للمنطقةِ برُمَّتِها، وتغذيةِ الصراعاتِ التي لا تخدمُ سوى أجنداتِ التوسُّعِ والهيمنةِ.
ومن هنا، فإنَّ الضرورةَ الاستراتيجيةَ تستدعي تحركاً عاجلاً وحاسماً لاستئصالِ ذراعِ إيران في اليمنِ، وتخليصِ الجسدِ اليمنيِّ من السرطانِ الحوثيِّ الذي بات ينهشُ في مقدراتِ البلادِ ويستهدفُ الهويةَ العربيةَ وجيرانَها. إنَّ استعادةَ الدولةِ اليمنيةِ وتطهيرَها من هذه الميليشياتِ ليست شأناً داخلياً فحسب، بل هي ضرورةٌ قصوى لحمايةِ الأمنِ القوميِّ العربيِّ وتأمينِ الممراتِ الدوليةِ.
ختاماً، تظلُّ تعزُ وفيةً لعمقِها العربيِّ، مؤكدةً بمليونيتِها أنَّ المصيرَ واحدٌ، وأنَّ الوقوفَ مع الشقيقةِ الكبرى ودولِ التحالفِ العربيِّ هو خيارٌ استراتيجيٌّ لا رجعةَ عنه، صاغتْهُ التجربةُ وعمّدتْهُ التضحياتُ، في سبيلِ منطقةٍ عربيةٍ مستقرةٍ وخاليةٍ من التدخلاتِ التخريبيةِ.
أخبار ذات صلة.