تكبّد مزارعو البن في مديريات غرب صعدة خسائر فادحة جراء تراجع الإنتاج بسبب موجات الجفاف وتذبذب معدلات الأمطار، فضلاً عن تأثيرات البرد القارس والرياح الجافة التي أضعفت الأشجار وأتلفت جزءاً واسعاً من المحاصيل.
المزارع محمد أحمد، من أهالي منطقة خولان، أكد لـ “ريف اليمن”، أن إنتاج البن تراجع بنحو الثلثين مقارنة بالسنوات الماضية؛ نتيجة الجفاف وانتشار الآفات الزراعية التي ألحق أضراراً اقتصادية بليغة بالمزارعين، وبات تهدد استدامة محصول البن الذي تشكل عوائده المورد الاقتصادي الأساسي لآلاف الأسر.
ومع غياب المشاريع المتمثلة بحصاد مياه الأمطار أو توفير بدائل ري مستدامة، تتفاقم معاناة المزارعين يوماً بعد آخر، وسط تساؤلات ملحة حول حجم الخسائر الفعلية، ومدى فاعلية أدوار الجهات المعنية في التدخل لإنقاذ محصول البن في صعدة.
مواضيع مقترحة
- القهوة اليمنية: إرث عريق ونكهة فريدة تتحدى الزمن
- زراعة البُن: أمل اليمنيين في أعالي الجبال
- الجفاف وتغير المناخ يهددان زراعة البن اليمني
تحديات الاستدامة
تعد زراعة البن الخولاني من أقدم وأهم الأنشطة الزراعية لما تمثله من قيمة اقتصادية وتراثية متجذرة في هوية المجتمعات الريفية، حيث يعتمد آلاف المزارعين عليه كمصدر دخل رئيسي، نظراً لارتباطه الوثيق بسبل العيش والاستقرار في المناطق الجبلية، بالإضافة إلى مكانته المرموقة في الأسواق المحلية والعالمية.
يؤكد محمد أحمد أن زراعة البن الخولاني في صعدة تمتد لمئات السنين، متوارثة عن الآباء والأجداد كركيزة أساسية لدخل معظم سكان الريف. لكن عبدالله القانة، مسؤول القطاع الزراعي بجمعية حيدان التعاونية بمحافظة صعدة، أشار إلى أن الإنتاجية شهدت تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة بعدما المزارعين يحققون إنتاجاً يصل إلى طن أو أكثر، انخفضت المعدلات نتيجة الجفاف وشح الأمطار، وغياب مصادر المياه.
وأوضح القانة لـ ‹ريف اليمن› أن هذا التراجع لا يعود للعوامل الطبيعية فحسب، بل يمتد ليشمل انخفاض اهتمام بعض المزارعين بتطبيق العمليات الزراعية السليمة، مما أسهم في تدهور الجودة وتفاقم الخسائر.
كما لفت إلى تحدٍّ إضافي يتمثل في توجه بعض المزارعين نحو زراعة القات لضمان عائد مستمر طوال العام، مما أدى إلى استنزاف الموارد المائية المتاحة لريّه على حساب أشجار البن، وهو ما ضاعف من حدة الأزمة وأضعف قدرة المحصول التاريخي على الصمود.
التغير المناخي
تسببت التغيرات المناخية وتذبذب هطول الأمطار، إلى جانب موجات البرد القارس والرياح الجافة، في إضعاف أشجار البن وتقليص إنتاجيتها، مما بات يهدد استدامة محصول البن التاريخي الذي يمثل مصدر الدخل الرئيسي لآلاف المزارعين اليمنيين.
بلغت خسائر المزارع محمد أحمد نحو 5 ملايين ريال، معتبراً إياها نموذجاً لمعاناة آلاف المزارعين في صعدة
يرى الدكتور يوسف المخرفي، أستاذ العلوم البيئية وتغير المناخ بجامعة صنعاء، أن الأمطار في مختلف المناطق الزراعية اليمنية أصبحت تتسم بعدم الاستقرار بين المواسم والأعوام، نظراً للحساسية العالية التي تبديها البلاد تجاه التغيرات المناخية العالمية.
وأوضح لـ “ريف اليمن” أن موجات البرودة الشديدة والرياح الجافة يؤدي إلى تدهور نوعية وحجم الثمار ورفع معدلات التبخر، مما يفقد التربة رطوبتها الجوهرية. وحذر المخرفي من أن تزامن هذه الظواهر يشكل تهديداً حقيقياً لزراعة البن في مناطقه التقليدية.
من جانبه، كشف الدكتور عبدالعزيز مارحة، مدير الإرشاد الزراعي بمكتب الزراعة بمحافظة صعدة، أن مزارعي “البن الخولاني” تكبدوا خسائر كبيرة خلال الأعوام الثلاثة الماضية جراء الانخفاض الحاد في معدلات الأمطار، مما أدى إلى تراجع الإنتاج الفعلي وتدهور جودته، وصولاً إلى موت الأشجار في بعض المناطق.
وأوضح لـ “ريف اليمن” أن هذا التدهور أحدث اضطراباً في الأسواق المحلية، حيث انخفضت أسعار البن المتضرر بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالمحصول عالي الجودة، مما أضعف الجدوى الاقتصادية للاستمرار في هذه الزراعة لدى الكثير من المزارعين.
في السياق أكد عبدالله القانة، مسؤول القطاع الزراعي بجمعية حيدان التعاونية، أن الخسائر الإجمالية وصلت إلى نحو نصف الإنتاج المعتاد، نتيجة الجفاف وتفشي الآفات والأمراض التي هاجمت المحصول في ظل ظروف بيئية قاسية.
شح المياه
على الرغم من تفاقم أزمة الجفاف، لا تزال مناطق زراعة البن الخولاني في محافظة صعدة تواجه تحديات متعددة جراء نقص مشاريع المياه، سواء في مجال حصاد مياه الأمطار أو توفير بدائل ري آمنة، الأمر الذي ضاعف معاناة المزارعين وجعلهم عرضة للتقلبات المناخية.

يقول المهندس أحمد الجرادي، مدير فرع الهيئة العامة للموارد المائية بمحافظة صعدة، أن هناك حزمة من المشاريع نُفذت بالفعل في مديريات بني بحر، ساقين، وحيدان، وذلك بتنسيق مشترك بين وحدة التدخلات المركزية، والوحدة التنفيذية لتمويل المبادرات الزراعية، وفرع هيئة الموارد المائية، وبالتعاون مع المجتمع المحلي.
وأكد الجرادي لـ “ريف اليمن” إنجاز مشروع سد وادي نخلة بمديرية ساقين العام الماضي، مؤكداً الانتهاء من إعداد الدراسات الفنية لمشاريع حصاد مياه الأمطار في مديريتي حيدان ومران، والتي يجري الترتيب لتنفيذها خلال المرحلة المقبلة.
وحول التدخلات الطارئة لمواجهة تراجع الأمطار، كشف الجرادي عن استجابة الهيئة لمطالبات السلطات المحلية عبر منح تراخيص لحفر وتعميق وصيانة عدد من الآبار الارتوازية بنظام الشراكة المجتمعية؛ حيث شملت التوجهات الموافقة على حفر 50 بئراً في مديرية ساقين، وأكثر من 40 بئراً في حيدان، و20 بئراً في عزلة “فوط” بمديرية مران، مخصصة لأغراض الشرب والري الزراعي.
كما لفت الجرادي إلى أن التوسع في زراعة القات خلال الفترات الماضية كان له دور محوري في انحسار مساحات البن، مرجعاً ذلك إلى المردود الاقتصادي السريع للقات، وضعف آليات تسويق المحاصيل البديلة، فضلاً عن الحاجة لرفع مستوى الوعي المجتمعي بالأهمية الاستراتيجية لشجرة البن الخولاني.
حلول مقترحة
يؤكد عبد الله القانة أن الحلول تكمن في إنشاء السدود والحواجز المائية بمناطق الإنتاج، مع إدخال تقنيات الري الحديثة لترشيد استهلاك المياه. وشدد القانة، في حديثه لـ “ريف اليمن”، على محورية إيجاد آليات تسويقية فعّالة تضمن بيع المحصول بأسعار عادلة للمزارعين، بما يحقق عائداً اقتصادياً مجزياً يحفزهم على الاستمرار في زراعة البن.
يوسف المخرفي: الحل يكمن في تعزيز “الأمن المائي” عبر إنشاء السدود وضخ المياه بالطاقة الشمسية بمناطق الإنتاج الرئيسة
أما المزارع محمد أحمد فيرى أن إنقاذ محصول البن يتطلب حزمة متكاملة تشمل البنية التحتية المائية وتوفير شبكات الري، إلى جانب تفعيل جهود مكافحة الآفات الزراعية. ووجّه رسالة إلى الجهات المعنية بضرورة تكثيف الدعم الفني عبر توفير مرشدين زراعيين يقدمون الإرشادات اللازمة للحفاظ على جودة الإنتاج وتطويره.
من جانبه يرى الدكتور يوسف المخرفي أن الاستدامة الحقيقية تعتمد بالدرجة الأولى على حصاد مياه الأمطار؛ مؤكداً أن الاعتماد على الآبار الارتوازية لا يشكل حلاً مستداماً.
وأضاف لـ “ريف اليمن” أن الحلول الجماعية يجب أن تشمل التسويق الحكومي المباشر، وتفعيل برامج التأمين الزراعي المرتبطة بالأمن المائي. كما حذر المخرفي من مغبة تجاهل التغيرات المناخية التي قد تؤدي إلى تدهور جودة المحصول.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق اللجنة الزراعية العليا ووزارة الزراعة في استحضار التجارب الحضارية لبناء السدود العملاقة وحماية مستقبل البن اليمني.