عربي
منذ اتساع الحرب في المنطقة، بدا سلوك الذهب معاكساً لما ينتظره كثيرون من أصل يُعامل عادة ملاذاً آمناً في أوقات التوتر. فبدل أن يصعد بقوة مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، تعرض المعدن الأصفر لهبوط حاد تجاوز 15% ما فتح باب الأسئلة لدى المستثمرين والأفراد، هل هذا التراجع عابر أم بداية مسار أضعف؟ وهل الأفضل الشراء الآن أم انتظار هبوط إضافي؟ فما أصاب المعدن الأصفر لا يرتبط بانهيار قصته الاستثمارية بقدر ما يرتبط بصدمة نقدية ومالية فرضتها الحرب على الأسواق.
الدولار والفائدة
وحسب مذكرة بنك "يو أي بي" السويسري المعنونة بـ"مفارقة الذهب في الحرب" الصادرة في 12 مارس/آذار 2026، فإن المعدن الأصفر لا يتحرك بوصفه تحوطاً مباشراً من الحرب نفسها، بل تحوطاً من نتائجها النقدية والمالية، مثل ضعف العملات، وارتفاع العجز، وتباطؤ النمو. وفي هذا السياق أفادت "رويترز"، الثلاثاء الماضي، بأن الذهب تعرض لضغط من قوة الدولار، وتزايد التوقعات ببقاء الفائدة مرتفعة، بل وعودة الحديث عن رفعها، في وقت أدى فيه ارتفاع أسعار الطاقة إلى إعادة المخاوف التضخمية إلى الواجهة. بهذه المعادلة، صار السوق يتعامل مع المعدن الأصفر مؤقتاً باعتباره أصلاً غير مدر للعائد يتضرر من الفائدة المرتفعة، بدل النظر إليه فقط باعتباره ملاذاً آمناً.
النفط أعاد التضخم
ونقلت "رويترز"، الأربعاء الماضي، أن الذهب ارتفع بقوة في ذلك اليوم بعدما هدأت أسعار النفط، ما خفف المخاوف التضخمية وقلص الضغط الناتج عن توقعات الفائدة المرتفعة. وهذه النقطة أساسية، لأنها توضح أن الحرب لم تعد العامل الوحيد المحدد لسعر الذهب، بل صارت تتحرك عبر قناة أكثر تأثيراً في المدى القصير، هي قناة الطاقة والتضخم. لذلك، كلما ارتفع النفط بقوة عادت المخاوف من تشديد نقدي أطول، وكلما هدأت أسعار الخام استعاد الذهب بعض توازنه.
فقدان الثقة
وأفادت رويترز"، الخميس الماضي، نقلاً عن مذكرة فصلية للمجموعة المصرفية الدولية الإيطالية "إنتيسا سان باولو إس.بي.إيه"، بأن الذهب والفضة تضررا أيضاً من "السعي إلى السيولة في الأسابيع الأولى من الحرب". هذا يعني أن جزءاً من هبوط الذهب لم يكن تعبيراً عن فقدان الثقة في المعدن نفسه، بل نتيجة بيع الأصول الأكثر سيولة لتغطية خسائر أو تلبية متطلبات الهامش في أسواق أخرى.
ونقلت "بلومبيرغ" في 22 مارس/آذار 2026 عن المحلل الأول للسلع في بنك الاستثمار الفرنسي "ناتيكسيس"، برنارد دحداح، قوله إنه "من المرجح أن بعض البنوك المركزية تبيع الذهب للدفاع عن عملاتها أو لتمويل مشتريات الطاقة"، وهو ما ساعد في تغذية القلق داخل السوق، لكن في المقابل، أفاد المجلس العالمي للذهب في تقرير 2025 بعنوان "اتجاهات الطلب على الذهب: الربع الرابع والسنة المالية كاملة" الصادر في 29 يناير/كانون الثاني 2026 بأن صافي مشتريات البنوك المركزية بلغ 863.3 طناً خلال 2025، ما يعني أن الاتجاه الاستراتيجي لتنويع الاحتياطيات نحو الذهب لم يختف رغم الضغوط الأخيرة.
سيرتفع الذهب مجدداً
وأبقى بنك "يو بي أس"، على نظرته الإيجابية للذهب في مذكرته، معتبراً أن التراجع الحالي لا يلغي وظيفته الدفاعية على المدى الأوسع. ونقلت "رويترز" في 22 يناير/كانون الثاني 2026 أن بنك غولدمان ساكس رفع توقعه لسعر الذهب في نهاية 2026 إلى 5400 دولار للأوقية، بعد كان توقعه الأول 4900 دولار، مستنداً إلى استمرار الطلب من القطاع الخاص والبنوك المركزية، وإلى توقعات بتيسير نقدي لاحقاً، لكن هذا التوقع كان يوماً واحداً قبل اندلاع الحرب في المنطقة. كما أفادت "رويترز" في 27 يناير/كانون الثاني 2026 بأن "يو بي أس" رفع هدفه السعري إلى 6200 دولار للأوقية خلال الأشهر الأولى من 2026، مع توقع تراجع محدود إلى 5900 دولار بنهاية العام. معنى ذلك أن التراجع الحالي، في نظر هذه المؤسسات، لا يُقرأ نهاية لقصة الذهب بل تعثراً مرحلياً داخل اتجاه أكبر ما زال مدعوماً.
وفي السياق ذاته، أشار مجلس الذهب العالمي، في تقريره المُحدّث في فبراير/شباط 2026 بعنوان "الذهب كأصل استراتيجي"، إلى أن أداء الذهب تفوّق تاريخياً خلال فترات التوتر الجيوسياسي، حيث بلغ متوسط العائدات 7.5% في الأشهر الستة التي أعقبت أحداثاً كبرى مثل حرب الخليج (1990-1991) والحرب الروسية - الأوكرانية عام 2022.
وأكّد روبرت بروغمان، من المنصة الاستثمارية "ذا ويلثي ماينر"، هذا الرأي في مقابلة أجراها مع بودكاست "ريسورس توكس" المتخصص في قطاع التعدين، في 16 فبراير/شباط 2026، مُشيراً إلى أن "التشرذم الجيوسياسي لا يزال محركاً رئيسياً لأسعار الذهب"، مع إمكانية وصول سعره إلى 10 آلاف دولار للأونصة في دورة كاملة إذا استمر انخفاض قيمته والتوترات.
هل تشتري الآن أم تنتظر؟
ويبقى السؤال الأكثر تداولاً، هل يشتري المستهلك الذهب الآن في ظل هذه التقلبات أو ينتظر؟ فإذا كان الهدف ربحاً سريعاً خلال أسابيع قليلة، فإن الانتظار قد يكون مفهوماً، لأن الذهب لا يزال شديد الحساسية لمسار الدولار والنفط وتوقعات الفائدة. وفي هذا الصدد أفادت "رويترز"، الخميس الماضي، بأن الأسعار تراجعت مع قوة الدولار وارتفاع النفط واستمرار المخاوف من بقاء الفائدة مرتفعة، ونقلت عن الخبير في أسواق الأسهم والسلع جيم ويكوف من "كيتكو للمعادن" أن استمرار الحرب قد يدفع الذهب إلى ما دون 4000 دولار، بينما قد يؤدي وقف إطلاق النار وعودة رهانات خفض الفائدة إلى صعوده مجدداً نحو 5000 دولار. لذلك، يبقى الدخول بكامل السيولة دفعة واحدة أكثر مخاطرة للمستثمر القصير الأجل.
أما للمستثمر المتوسط أو الطويل الأجل، فالهبوط بدأ يبدو لكثير من المحللين فرصة بناء مراكز. ونقلت "رويترز"، الجمعة الماضي، عن كبير استراتيجيي السوق لدى شركة الوساطة "آر.جي.أو فيوترز"، دانيال بافيلونيس، قوله إن موجة البيع الأخيرة خلقت "فرصة شراء بعد هبوط الذهب دون متوسطه المتحرك لـ200 يوم". وفي السياق ذاته نقلت "رويترز" عن البنك التجاري الألماني "كومرتسبانك إيه جي" رفع توقعه لسعر الذهب في نهاية 2026 إلى 5000 دولار للأوقية، معتبراً أن التراجع الأخير قد لا يكون مستداماً، لكن هذا لا يعني أن القاع تحقق نهائياً، فقط أن المستويات الحالية أصبحت أكثر جاذبية للمستثمر الذي ينظر إلى أفق أطول.
ويبدو أن الشراء التدريجي يبدو أكثر اتساقاً، فبالعودة لمذكرة "يو بي أس" فإن قوة الذهب على المدى الأطول ترتبط بعودته لاحقاً للاستفادة من تراجع الفائدة الحقيقية ومخاوف العملة والديون، لا بضرورة صعوده الفوري مع كل حدث جيوسياسي، خاصة أن الأسواق أزاحت تقريباً رهانات خفض الفائدة الأميركية في 2026 مقارنة بما كان قائماً قبل الحرب، لهذا النصيحة الأقرب ألا تشتري بكل السيولة ولا تنتظر خارج السوق تماماً، أي بناء مركز تدريجي على دفعات يخفف أثر التذبذب ويمنح المستثمر متوسط الأجل فرصة الاستفادة إذا عاد الاتجاه الصاعد.
الذهب ما زال ملاذاً آمناً، لكن في المدى القصير لا يتحرك فقط بسبب الحرب أو الخوف، بل يتأثر أكثر بقوة الدولار وأسعار النفط والفائدة وحاجة المستثمرين إلى السيولة، ويفيد أكثر كونه حماية من الآثار المالية والنقدية للحروب، وليس دائماً استجابة فورية لها منذ اللحظة الأولى. لذلك، من يريد ربحاً سريعاً قد يكون الانتظار أفضل وأقل مخاطرة، أما من يشتري الذهب ليكون استثماراً طويل الأجل، فقد تكون التراجعات الحالية فرصة للدخول تدريجياً، لا علامة على ضرورة البيع.
