عربي
قيل دوماً إنّ الفلسطينيين يدفعون ثمناً هائلاً للتطورات والتحوّلات في المنطقة، وهذا ما لمسناه مرّة أخرى في التداعيات السلبية للحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران، وعلى المستويات كافّة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، مع تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية، وتعثّر تنفيذ اتّفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، واستغلال إسرائيل الحرب لمزيد من التنكيل والقتل والتهجير والتدمير، وفرض الوقائع على الأرض، كما رأينا في إغلاق المعابر وتشديد الحصار ومنع إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. كذلك تسارعت وتيرة الاستيطان واعتداءات المستوطنين والقمع والتنكيل في الضفّة الغربية، وكان إغلاق المسجد الأقصى خلال العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم وعيد الفطر السعيد؛ ولأوّل مرّة منذ احتلال مدينة القدس قبل 60 عاماً تقريباً؛ عنواناً معبِّراً، ولو رمزياً، عن التداعيات السلبية الهائلة للحرب على فلسطين.
إذن، يدفع الفلسطينيون ثمن التطوّرات والتحوّلات التاريخية والهائلة في المنطقة العربية؛ ففي نصف القرن الماضي كانت اتّفاقية كامب ديفيد 1979 سبباً مباشراً لغزو إسرائيل بيروت عام 1982، وإخراج منظّمة التحرير من لبنان، وطيّ صفحة مركزية من تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة. وأدى غزو العراق الكويت عام 1990 إلى إطلاق مسيرة التسوية وعملية مدريد- أوسلو-1991- المجحفة بحقوق الفلسطينيين ومصالحهم. ثم أدت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2011، وغزو أميركا العراق وأفغانستان واحتلالهما إلى اجتياح رام الله، واغتيال الرئيس ياسر عرفات، وحصار وتحجيم السلطة ومشروعها السياسي، وأخيراً الانكفاء الأميركي عن المنطقة في العقد الأخير، وإطلاق يد إسرائيل لإنهاء وتصفية عملية التسوية مدريد -أوسلو على علاّتها، والاستفراد بالفلسطينيين وتغوّل الاستيطان في الضفّة الغربية وحصار قطاع غزّة، وتكريس الانقسام السياسي والجغرافي بينهما.
والآن نرى تأكيداً لهذا الاستنتاج - الحقيقة مرّة أخرى في الحرب الإسرائيلية -الأميركية الراهنة على إيران، الّتي استغلتها حكومة بنيامين نتنياهو الأكثر تطرّفاً بتاريخ الدولة العبرية لمزيد من التنكيل وفرض الوقائع على الأرض بقوّة الاحتلال القهرية في قطاع غزّة والضفّة الغربية على حدّ سواء.
منهجياً، تجب الإشارة إلى حقيقة ساطعة مفادها أنّ نتنياهو حرّض أساساً على الحرب ضدّ طهران، وتضخيم الخطر من إيران وملفّها النووي، واستغلال سياستها وممارساتها الإقليمية الخاطئة لحَرْف الانتباه عن القضية الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي وجرائمه، بوصفه الجذر الأساس للفوضى وعدم الاستقرار في المنطقة.
بتفصيل أكثر، تتمثل التداعيات السلبية للحرب على غزّة بوقف تنفيذ البنود الإنسانية في اتّفاق وقف إطلاق النار، وإغلاق المعابر، وخفض إدخال المساعدات والمستلزمات الإغاثية بنسبة 80%، إذ كانت تدخل 600 شاحنة يومياً وأضحت 114 تقريباً بعد الحرب، علماً أنّ القطاع المدمّر يحتاج إلى 10 أضعاف هذا الرقم (6000 شاحنة يومياً على الأقلّ) بعد حرب الإبادة الّتي استمرت عامين، كذلك أغلقت إسرائيل معبر رفح أمام 20 ألف مريض وجريج وأصحاب الحالات الإنسانية الطارئة، وأعلنت وزارة الصحة في قطاع غزّة الإثنين 23 مارس/آذار عن موت 6 إلى 10 مرضى يومياً، و1400 مريض توفوا فعلاً منذ اجتياح مدينة رفح وتدمير ها وإغلاق المعبر في مايو/أيّار 2024.
ثمّة قلق فلسطيني واضح من كلا الطرفين" السلطة وحركة حماس" تجاه التداعيات السلبية المحتملة للحرب حتّى قبل وقوعها، وهذا ما تحقق فعلاً، وهناك قلق من استمرار التداعيات السلبية بأشكال مختلفة
أما الأسوأ من ذلك فتمثّل باستغلال إسرائيل الحرب ضدّ إيران لتجميد اتّفاق وقف إطلاق النار المتعثّر أصلاً بكل بنوده، وتحديداً المرحلة الثانية منه؛ الّتي تتضمن التعافي المبكر، والإيواء العاجل، وعملية إعادة الإعمار والتنمية البشرية والاقتصادية الشاملة، وبعد ستة أشهر من التوصل إلى الاتّفاق، ورغم وقف الإبادة والمقتلة والتهجير، استمرت الحرب والقتل البطيء لمليوني غزي بوتيرة منخفضة غير واضحة للخارج.
في السياق ذاته، استغلّت إسرائيل الحرب لمواصلة منع دخول اللجنة الوطنية لإدارة غزّة ومباشرة مهامها على الأرض، مع الانتباه إلى نية إسرائيل تمكين اللجنة من العمل ولكن ضمن الشروط والقواعد المناسبة لها، وبعد أطول تأخير ممكن في سياق تحويل المؤقت إلى دائم، واستغلال الحرب الراهنة وتداعياتها السياسية والاقتصادية لمراكمة العراقيل أمام نجاح اللجنة ضمن التفويض الزمني المحدد بعامين وفق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب واتّفاق وقف إطلاق النار المنبثق منها.
في الضفّة الغربية كانت الانتهازية حاضرة كذلك، واستغلال الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران ببشاعة وإجرامية، لتنفيذ أجندة مختلفة شكلا ًعن قطاع غزّة ولكن بالمضمون والهدف نفسه، مع مواصلة إغلاق المدن والقرى والبلدات، وتقطيع أوصالها وعزل بعضها عن بعض-1000 حاجز وعائق تقريباً- وتسريع وتيرة الاستيطان وإطلاق العنان للمستوطنين المحميين من جيش الاحتلال، إذ زادت اعتداءاتهم وجرائمهم بنسبة 25 %خلال شهر مارس/آذار الجاري، أي منذ اندلاع الحرب على إيران.
إضافة إلى ما سبق، استغل نتنياهو الحرب لمواصلة السعي نحو هدفه الاستراتيجي تجاه السلطة الفلسطينية، وإيقاع مزيد من الإضعاف والإهانة السياسية لها، ودفعها، بل إجبارها على الإذعان والتموضع في مربع الصلاحيات البلدية المحدودة من دون أي أفق سياسي نحو الدولة وتقرير المصير.
كذلك كان استغلال إسرائيل لحربها –الأميركية على إيران لإغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين في شهر رمضان وعيد الفطر لأوّل مرّة منذ احتلال القدس قبل 59 عاماً عنواناً بارزاً صادماً ومؤلماً لكل المعطيات والممارسات والجرائم السابقة.
في الحقيقة، ثمّة قلق فلسطيني واضح من كلا الطرفين" السلطة وحركة حماس" تجاه التداعيات السلبية المحتملة للحرب حتّى قبل وقوعها، وهذا ما تحقق فعلاً، وهناك قلق من استمرار التداعيات السلبية بأشكال مختلفة حتّى بعد انتهاء الحرب. مع الانشغال العربي والاقليمي والدولي المحتمل بإيران لشهور وربما سنوات طويلة، وبالتالي تراجع الحضور العربي والخليجي فلسطينياً، تحديداً لجهة الدعم السياسي والمالي لمشاريع التنمية وإعادة الإعمار وإنهاء الانقسام لخلق الأفق وشق الطريق والمسار السياسي نحو الدولة وتقرير المصير.
ثمّة هواجس فلسطينية أخرى تتعلق بانكفاء أميركي ما عن المنطقة بعد الحرب وتراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية وحتّى اتّفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزّة، واحتمال بقاء الواقع الراهن الّذي يخدم الاحتلال، مع السيطرة على ثلثي القطاع عبر الخط الأصفر، وحشر مليوني فلسطيني ضمن أقلّ من ثلث مساحة القطاع المدمرة بالكامل، وإزاحة ملفّات إعادة الإعمار وحتّى التعافي المبكّر والإيواء العاجل عن جدول الأعمال إثر التداعيات الاقتصادية السلبية الهائلة للحرب على الخليج العربي والدول المانحة لغزّة وفلسطين.
أخيراً يجب التذكير بمعطى مهم جداً، مفاده أن توقف الحرب الإسرائيلية -الأميركية على إيران الّذي بات قريباً قد لا يمنع للأسف احتمال استمرار الحرب الإسرائيلية المدعومة الأميركية على لبنان لأسابيع وربما شهور أخرى، وسيكون هناك تفاوض تحت النار لفرض اتّفاق جديد بدلاً من اتّفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وسيشبه الاّتفاق الجديد بمراحله المتعددة على الأغلب ذلك المعمول به حالياً في قطاع غزّة – أكتوبر/تشرين الأول 2025 – في حين يشبه اتّفاق نوفمبر/تشرين الثاني اللبناني المتقادم النسخة الملغاة من اتفاق غزّة في يناير/كانون الثاني 2025.
وعليه يمكن توقّع سعي إسرائيل لاستغلال الحرب الممتدة على الجبهة اللبنانية لتأبيد الواقع الراهن والانقسام في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، بل وأخذه بانتهازية ووحشية وإجرام نحو تطهير عرقي موصوف فيهما، كما قالت منظمة هيومن رايتس ووتش منذ أيّام، ضمن نظام فصل عنصري قائم أساساً، تسعى إسرائيل بكل الوسائل لصرف الانتباه عنه ومنع العالم من التنبه والتكاتف والاصطفاف الواسع رسمياً وشعبياً للتصدي له، وهو ما يفسر بالطبع إبقاء السيف مشرعاً في فلسطين ولبنان وسورية والمنطقة عموماً. وهذا أمر ليس بغريب على كيان استعماري فريد بالمعنى السلبي، قام أساساً ومنذ تأسيسه على حد السيف وجرائم الحرب والإبادة الموصوفة على اختلاف أشكالها ومسمياتها.
